إنعكاس كرة…

إن الرياضة عموما وكرة القدم خصوصا ليست جلدا منفوخا ينط هنا وهناك، بل هي أكبر من هذا بكثير، بدليل أنها صارت أفيونا للشعوب ومتنفسا لفئة كادحة في المجتمع تتخبط بين مطرقة الفقر وسندان البطالة والتخلف، فهي تحقق نشوة من السعادة المؤقتة لأولئك الذين يعشقون منتخبهم حتى  النخاع، فعندما يفوز فريقهم ببطولة ما تجدهم يخرجون إلى الشارع بصغيرهم وكبيرهم فقيرهم وغنيهم حَرّاً وقَرّاً، ممتناسين خلافاتهم ومعاناتهم رافعين  أعلام بلدهم عاليا، متغنين بالوطنية وبنجوم فريقهم الذي حقق إنجازا سيوقعه التاريخ الرياضة الكروية دهرا من الزمن،كما أن هذه اللعبة تعد دينا وحياة لبعض الدول مثل البرازيل والأرجنتين ودول من القارة السمراء، فهم يعتبرونها جزءا من يومياتهم وطموحا لطبقة فقيرة من أطفال  يحلمون بالاحتراف ليخرجوا أنفسهم وأهاليهم من الحرمان و المسكنة، نظرا للأموال الكبيرة الذي يجنيها لاعب كرة القدم اليوم.

والمجتمع  الجزائري بمختلف شرائحه، وبكل المشاكل التي يرزح تحت نيرها من تخلف وبطالة وغبن للمواطن الجزائري البسيط، وغلاء الأسعار وانتشار العنوسة والطلاق وإفلاس المنظومة التربوية وممارسة النفاق السياسي واستغباء الشعب واستغفاله، وغيرها من الطابوهات والمطبات المؤرقة التي أنهكت كواهل العديد من العائلات، تراهم يجدون لأنفسهم  فسحة لنسيان مشاكلهم وهمومهم اليومية من خلال مشاهدتهم للمنتخب الوطني في خرجاته القارية والعالمية، فعند الفوز تكثر الزغاريد والأفراح والأغاني الوطنية التي تصدح بأسماء اللاعبين، كما تُرسم البسمات  على وجوه المكلومين من القوم، وتظهر السعادة المرادفة للتعاسة ولكن بشكل أفضل، والشكر هنا موصول لتلك اللعبة التي ولدت في انجلترا وتربت في بلاد السامبا، حيث أنها خففت قليلا عن تلك القلوب المثخنة بالغصص والسخط على أولئك الجالسين على الكراسي، جامعة مافرقته السياسة والنعرات المنادية بالجهوية، ولو لأمد معدود، أما إذا كان العكس وكانت الخسارة والإقصاء، فحينها تقوم الدنيا ولاتقعد، حيث تتعالى الصيحات في وسائل الإعلام المرئية منها والمكتوبة والمسموعة، فالكل يندد صارخا ناقما على أولئك الشباب، ومنهم من يذرف الدموع بحرارة ومرارة على خيبة آمال جماهير كانت تتوق إلى هدف منشود لم يتحقق  مع طول انتظار،  كما تعود الرياح عاصفة بالمواطن الغارق في الضنك والضنى،  والحانق على ظروفه  المعيشية المأسوية التي يكتوي بجمرها كل حين، ملتمسا من الجلد المنفوخ  مهدئاً وبلسما لجراحه الغائرة، لكن حلمه ضاع للأسف وتحول إلى كابوس. والبعض من أولي الإعلام والقنوات  يعطي لهذه القضية بعدا وطنيا وقوميا وربما حضاريا مبالغا فيه وإلى حد بعيد، تكتسيه عاطفة جياشة جاعلة منها مقياسا للرقي ومضاهات الأمم المتطورة، ولكن هيهات …هيهات، فليست النائحة كالثكلى، إذ أن النكسات المتتالية التي تعاني منها المنظومة الرياضية عموما وكرة القدم خصوصا، ما هو إلا انعكسات لواقع أليم تكتوي به الجزائر، من ترد في الاقتصاد وانحطاط في العملة وانخفاض أسعار النفط، الذي يعد الدخل والمصدر الوحيد لبلادنا، مع عجز في إيجاد  ثروة بديلة متجددة تنعش الصندوق الوطنية المتأزمة مع وجود خيرات عديدة في هذا الوطن تغنينا عن الذهب الأسود، ولكن أبصار أهل القرار عندنا زائغة عمدا، تاركة أمرها للصدفة والمجهول، ناهيك عن التربية والتعليم، والتي تستمر بخرجاتها الحمقاء المرتجلة صاعدة بأفكارها الخرقاء إلى الأسفل والحضيض، مكرسة ثقافة التغريب وزعزعة المقومات والشخصية الوطنية للتلميذ، وضربه في المقتل من خلال برنامج عقيم مشوه، أورثنا أخطاء كارثية، وياليتها كانت مطبعية، بل وكأنها متعمدة من بعض الأيادي التي تُكِنُّ الضغينة والحقد الدفين لجيل الاستقلال، واضعين من المعلم المشُبِّه بالرسل والأنبياء، أضحوكة ومادة دسمة لكل ساخر وسفيه، أضف إلى هذا جملة من الإخفاقات في جلِّ مجالات الحياة بتعددها وتنوعها. فعندما نرقى بالتعليم والصحة والاقتصاد، ونوظف الرجل المناسب في المكان المناسب، حينها يمكننا أن نصنع مجدا للرياضة باختلافها و ليس كرة القدم فحسب، فما نجاحها  فيما بعد إلا امتداد لما سبقها من الازدهار والاستقرار والأمل، عندها تَكتمل  المعادلة، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيــــــــــــــــــــم .

بقلم: محمد مبروكي 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.