الحراك السياسي الراهن

تدخل الجزائر اليوم عهدا جديدا، ويسطر شعبها الأَبيُّ سطرا جديدا في صفحة الجمهورية الحديثة، الثائرة على الفساد والبيروقراطية المقيتة، بقيادة رئيس جديد حظي بثقة شريحة واسعة من أبناء الجزائر الأحرار، الذين انتخبوه الرجل الأول في البلاد، بعد عشرين سنة من حكم الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة، من كان ضحية محيط متعفن آثم وصُحبة منكرة  وأقارب كالعقارب، كرسوا مع سبق الإصرار والترصد، الجهوية الرعناء والمحسوبية والإحتكار بامتياز، أما الشباب فمنهم من قضى نحبه في البحر هاربا من كيدهم، ومنهم من ينتظر يائسا زوال البِلَى بأمل رجيف، وترديد لفظ ” الله غالب” ويزيدها معنىً حاملوا الشهادات الراتعين في أودية البطالة والتهميش بـــ “أَقْرِينا باطل وراني نادم علاه قريت، لاخَدمَهْ لارَدْمَهْ، وهذي موش بلاد” ذلك عزاؤهم في مصابهم، ناهيك عمن انتحر في الصمت الأليم،   ذلك هو نتاج عُصبة أتت على الأخضر واليابس من خيرات هذا الوطن الـــمُفدَّى فلم تُبقي ولم تذر من العقارات والملايير الممليرة بغير وجهك وحق ولا حسيب، وما شهدته محكمة سيدي امحمد بالعاصمة أصدق دليل على خبث حاشية البلاط من وزراء ومسئولين سامين في الدولة، استغلوا المنصب وسياسية رئيس سابق دخل عرش المرادية كالقادة الفاتحين، وخرج منه خاسئا وحسيرا.

واليوم بعد دحر رؤوس العصابة وكهنة المعبد المتزلفين، من خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وإسقاط صنم العهدة الخامسة الكاسدة، بفضل المؤسسة العسكرية المكافحة، والحراك الشعبي الجزائري الجُمَعِيُّ المسالم، الثائر عن بكرة أبيه، من هَبَّ مستصرخا وعاف الركود، حراك انطلقت أولى شرارته يوم 22 فيفري  2019م ، حاملا بين طياته بذور حاضر الجزائر وغِراس مستقبلها الموعود، ولازال مستمرا ليوم الناس هذا، ومع معطيات انتخاب رئيس الجزائر الجديد السيد عبد المجيد تبون، الذي صرّح في أولى خرجاته الإعلامية بمد اليد إلى الحَراك وتحاور معه على كلمة سواء، غير أن هذا لن يؤتي أكله جُزافا دون رسم خريطة الطريق، يمكن القول أن أولى أهداف الحَراك تحققت بمنع عهدة الرئيس المغضوب عليه ومحاكمة الضّالين من سَدَنَته، إلا أن رهان الوطن أكبر من أن يَقتصر على هؤلاء الشرذمة القليلين، إذ يمكن أن يُهيكل الحَراك ويؤطر تأطيرا واعيا، بمنهجية ذكية، ورؤية بعيدة الطموح، ويشكل هيئة تَختار النُّخبة من أرباب الحِجى، المتمثلين في المجتمع المدني والأساتذة الجامعيين ومثقفين غير متحزبين وإعلاميين نزهاء وأئمة معتدلين، هؤلاء كلهم يمثلون ربوع الوطن من شماله إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه دون إقصاء، بعيدا عن الأيديولوجيات الغربية الدخيلة، ونعرات الجاهلية الأولى، إذ أن وطننا وللأسف مازال يعاني حساسية الانتماء والهوية واللغة، فعلى الحراك أن ينهي هاته السوسة التي لازالت تنخر كل مرة في وطننا، ولم لا نرفع السقف وننشأ حزبا سياسيا نابعا من خلايا الحراك، ونزكي منه رئيسا في العهدة القادمة وما ذلك بالمشروع البعيد، فبهذا نبتعد عن العشوائية والغوغاء، وكي لا يصير الخروج كل جمعة روتينا مملا، يَعْسُر فيه بناء جسر للحوار مع القاضي الأول في البلاد.

 فالجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع ولا مفاضلة في حب الوطن، والمدينة الفاضلة التي أسسها أفلاطون في أحلامه ومخياله الفلسفي لاجود لها في دنيا الواقع، وما ينبغي لها أن تكون، فلابد بل من الواجب وضع الأقدام على الأرض، إذ أنَّ مَثَلَنا اليوم كمثل رعية الأمير الأموي عبد الملك ابن مروان حين وقف خطيبا في قومه قائلا: “ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدونا منّا سيرة أبي بكر وعمر ولا تَسِيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرتهما، نسأل الله أن يُعين كُلاَّ منّا على حاله”.

مبروكي محمد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.