المدرسة القرآنية سعد ابن أبي وقاص بقصر *أولاد علي*

المشيخة والتأسيس

تعد الكتاتيب في توات، رافدا مهما من راوفد العلم والتربية، سيما إن كان الشيخ المشرف عليها ربانيا مخلصا، ولذا نجد ساكنة المنطقة قد دأبوا على إلحاق أبنائهم بها، لينشـئوا النشأة  الحسنة القويمة، ويتعهدوا كتابا الله تلاوة وتدبرا، عطفا على علوم الدين وما جاورها من النحو والمتون، وبمرور الزمن وما شهده من تطور في مختلف المجالات، طرأ عليها بعض التغيير الإيجابي في برنامجها التعليمي، هذا مع الحفاظ على الأصول والثوابت المتعارف عليها، كالاعتماد على  التلقين واللوح والدواة وملازمة الحزب الراتب، وتدريس متن بن عاشر في الفقه، والأجرومية والألفية في النحو.

وغير بعيد عن وسط مدينة أدرار وبقصر أولاد علي وعند قوس مدخلها الأحمر، تترصدك على يسارك مدرسة قرآنية لها جذور راسخة منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت بواكيرها في مسجد أخناتير سابقا، وحاليا يسمى مسجد سعد ابن أبي وقاص-رضي الله عنه-، حيث أسسه على تقوى من الله ورضوان، مجموعة من المحسنين وعلى رأسهم عبد القادر عثمان رحمه الله المعروف (بالسي قدور)، إذ أنه تطوع واشترى قطعة أرض جعلها وقفا لله ومسجدا لعباده، كما أنه كان مدرسة لتعليم الكبار والصغار ما تيسر من القرآن، وإن أول معلم به هو الإمام محمد عمار ابن مدينة رقان التي تبعد عن مدينة أدرار قرابة 132كلم، وقد بقي فيه مدرسا قرابة الخمس سنين، وفي سنة 1980م خلفه الإمام محمد بن عابد في التدريس والإمامة، ومع مرور الوقت تزايد عدد التلاميذ فاقترحوا فصل المدرسة عن المسجد، فتطوع أحد ساكنة القصر  وهو سالم محمود بايشي –رحمه الله- بغرفة في منزله وجعل منها قسما لتعليم القرآن، وبعد أشهر تبرع أحد المحسنين مرة أخرى بأرض بحي أخناتير جعل منها وَقْفاً للمدرسة القرآنية، فبنيت هناك والتحق بها الإمام بن عابد وتلاميذه الفائق عددهم المائتين، وفي صائفة 1985م  توجه هذا الأخير إلى الجزائر العاصمة للالتحاق بمعهد تكوين الإطارات الدينية، فعُيّن بعده في المسجد والمدرسة أحد الشباب البارعين، من سخروا أعمارهم لخدمة وتعليم كتاب الله تعالى، إنه الإمام عبد القادر بن محمد بن حسان العايدي،  المولود سنة 1959م ببيت علم وقرآن،  ومسقطا قصبة القايد، والده كان إماما بمسجد القصبة العتيق، ختم القرآن الكريم باكرا وهو ابن عشر سنين على يد معلمه الأول محمد سيد لكبير سليماني، وبعدها بقي معه مساعدا في تدريس التلاميذ هناك، وفي سنة 1975م أدخلة والده مدرسة الشيخ سيدي محمد بالكبير-رحمه الله-(1911م-2000م)، فأتم فيها حفظ القرآن كاملا، ثم تفرغ للفقه حيث أنه أتمّ حفظ مختصر خليل ورسالة أبي زيد القيرواني في ظرف وجيز لم يتجاوز العام والنصف، على عكس أقرانه ممن كان يستغرق السنوات لإتمام هذين الكتابين الضخمين في الفقه المالكي، وهذا عائد للنبوغ وسرعة الحافظة التي انماز بها الإمام عبد القادر عمن سواه، ثم ردف إلى دراسة علم النحو والمتون من على يد فضيلة الشيخ عبد الكريم مخلوفي-رحمه الله- (1939م-2017م)، وبعد أن اغترف من معين العلم الديني ضل هناك مساعدا، إلى أن أُعلن عن مسابقة توظيف الأئمة سنة 1980م ،فشارك فيها وكان موقفا وناجحا، فعين مُدرسا بالقسم الذي يشرف عليه الشيخ عبد الكريم مخلوفي بالمدرسة، فقضى هناك خمس سنوات، وفي شهر أوت من سنة 1985م، حُوّل إلى مسجد أولاد علي أخناتير المعروف حاليا باسم الصحابي سعد ابن أبي وقاص إماما فيه ومدرسا خلفا للإمام بن عابد محمد الذي سبق ذكره، ثلاث سنوات مرت عليه صعبة نظرا لتحمله مسؤولية تدريس ما يربو عن 150 تلميذا وحده فقط، أضف إلى هذا بعد المسافة بين المدرسة والمنزل، حتى عُيّن معه سنة 1987م  الإمامين أحمد بن الشيخ وبعده عبد الكريم الذهبي غير أنها لم يمكثا إلا قليلا، وبعدهما المعلمين الصويلح سالم ومهدي قطيب، اللذين قضيا معه وقتا أطول في المدرسة قبل أن يغادرا هما أيضا.

وفي سنة 2012 وصل عدد تلاميذ المدرسة إلى ما يزيد عن 300 تلميذ شتاء، الحاج ابن امبارك بن الشيخ المعروف (بالشاديدي)- رحمه الله- إلى بناء مدرسة قرآنية جديدة وواسعة تكفل بمصاريفها شخصيا، حيث فتحت أبوابها مطلع 2014م في حفل بهيج حضره كوكبة من الشيوخ والأساتذة.وقد تخرج على يدي الإمام ثلة مباركة من الطلبة الحافظين والخاتمين لكتاب الله تجاوز عددهم 200 طالبا ومن أبرزهم ذِكْراَ لاحصرا، بوعكاز عبد رحمن إمام بولاية ميلة / عبد الكريمي محمد إمام بولاية تيزي وزو/ الدكتور مقدم الصديق أستاذ بجامعة أدرار/ الدكتور يوسف بوشي أستاذ بجامعة تيارت/ وغيرهم كثير.

ولايزال إلى يوم الناس هذا فضيلة الإمام العايدي عبد القادر- حفظه الله- وبعد مرور 35 سنة، معلما للقرآن الكريم بالمدرسة وإماما، يقدم الدروس الفقهية للعامة والتلاميذ، حريصا عليهم، مواظبا على الحزب الراتب ، قائما بإخلاص وتواضع، ومستمسكا بحبل الله المتين والعروة الوثقى، عاملا بقول الرسول المصطفى الكريم (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فنعم الثواب وحسنت مرتفقا.

بقلم: مبروكي محمد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.