بين ما في القلب وما على اللسان

نحبُّ جميعا أن يظهر من شخصيتنا ما نراه مناسبا للمزاج العام للآخرين ، نود دائما أن نُظهر أفضل ما لدينا حتى يأخذ عنا العامة صورة مشرقة وذلك لا شكَّ سلوك قويم، ولكن شيئا ما يختلج نفوسنا ويشغل بالنا وتتمتم به شفاهنا في معزل عن الناس…ستكون مثاليا في نظرهم ولكن سرعان ما تحدثُ نفسك قائلا: لستُبالصورة التي يعتقدون، وماذا لو اكتشفوا وغاصوا في أعماقي ؟ماذا لو قُدِّر لهم أن يسمعوا ذلك الحوار الداخلي النفسي؟  هل كنت سأحظى بذات القيمة ونفس الانطباع الذي أخذوه عني؟

ربما سيكون رأيهم مخالفا لما يتصورون…جزء محذوف في شخصيتنا لا نود للآخرين معرفته…كلمات قصيرة بِالْكَادِ تشكل جملة نهمس بها لشخص يسكننا، ذلك الشخص هو نحن ولا أحد سوانا…شواردوأفكار متقطعة…حوار داخلي وصراع بين الظاهر والغائر.

كل هذا ولسنا نعلم في ذات الوقت أيكون الآخرون يُكِنُّونَ لنا ذات المشاعر حين الحضور وحين الغياب ؟ وهم أنفسهم لا يدرون على أي مرسى تستقر نبضات قلوبنا نحوهم، فَلَعَلَّ بعضهم اجتذبنا ليكون موضع ثقتنا التامة والبعض الآخر منحناه ثقة بشيء من التحفظ أو الشك، أو أننا آثرنا الاحتفاظ بجزء من الثقة للمواقف التي تثبت أحقيتهم بكمالها…وفي العموم يبدو أن هناك مقطعا مبتورا من ذواتِنا هو في الواقع شخصيتنا الحقيقية ، نحن ذلك الكلام الذي وَددنا قوله وقلنا خلافه مجاملة واصطناعا أو رغبة أو رهبة …نحن تلك الصورة التي أظهرناها وتمنينا أن نُظهر عكسها لسبب أو لآخر نعرفه نحن ولا نرغب في الكشف عنه، نحن ذلك الذي نبديه وبسببه نُمدحُ وذلك الذي نُخفيه وبسببه نُقدح أو العكس، شيء من هذا تفسره حكمة عمر رضي الله عنه حين قال ” من تزيَّن للناس بما ليس فيه شانه الله “.وتعقيبا على ذلك يقول ابن القيم في شرحه لحكمة عمر” لماكان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص،فإنه يُظهرللناس أمرا وهو في الباطن بخلافه،عامله الله بنقيض قصده…”

لقد كان من لطف الله بنا أن جعل المشاعر والأحاسيس شيئا مخفيَّا، فقد سبق في علمه أنها تتقلب وتتناقض بكرة وعَشِيَّا، وليس فينا من يبقى على براءته كيوم كان صبيَّا، فمن شاء أن يكون مؤمنا صالحا تقيَّا، وعند الله عبدا وبشرا سويَّا، فليستغفر الله ما دام حيَّا،ولْيَسْتَيْقِنْ بأن كل ذلك كان عند الله حكما مقضيَّا.

 

     بقلم / معطاالله جمال

6 تعليقات
  1. عزيز بوعزيز يقول

    ومهما تكن عند امرئ من خليقة. ..وإن خالها تخفى على الناس تعلم.
    بوركت أستاذنا وزادك الله في العلم بسطة

  2. kaddouri sarah يقول

    من حكمة الله في خلقه ان جعل فينا ظاهرا و باطنا … وربما هو دعوة لجهاد النفس حتى يوافق الظاهر الباطن
    بارك الله فيك..

  3. حاملة المسك يقول

    هناك خيوط رفيعة بين التملّق والمجاملة، وأيضا بين الصراحة والوقاحة، فالتملق والوقاحة مرفوضة أما المجاملة و الصراحة مطلوبة.
    (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) فاللين والرفق والإحسان والمداراة فمطلوبة وهي من أخلاق المؤمن.. أمّا اكمال الظاهر والباطن فلسنا ملائكة لنصل إليه

    1. أقواس يقول

      شكرا جزيلا على تفاعلك

  4. ابتهال يقول

    جميل ماشاء الله ربي يكثر من امثالك سلمت اناملك دائما مبدع

    1. أقواس يقول

      شكرا لك على تفاعلك معنا 🙂

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.