“تبرهيش” عقلية “نتاع البايلك”!!

كتبه: عبد القادر أعبيد

يبدوا أن ذهاب دولة الأتراك في الجزائر منذ ما يقارب القرنين، واندحار الاحتلال الفرنسي؛ بعد قرن وثلث القرن  ورحيله – غير مأسوف عليه- منذ أربعة وخمسين عاماً؛ مدةٌ حاولت فيها “الدولة الوطنية” أن تكون بديلاً في حكم الجزائريين أو لنسمّه حكم الجزائريين لأنفسهم ، أقول:يبدو أن مرور كل هذا الزمن لم ينسنا عقلية “البايلك” أو “نتاع البايلك” ناهيك عن أن هذه العقلية قد تناسخت في أجيال لم “تشمَّ رائحة” الأتراك في الجزائر.

لن يستطيع أحد أن يقنعني بالعكس على الأقل بالنظر لما تشهده الفضاءات العمومية من أنواع الاعتداء السافر؛ ومن منطلق أنها “ليست ملكاً لأحد من الناس بعينه” وهي بالتالي “نتاع البايلك!، ويبدو الأمر أكثر جلاء في “التخريب المتعمد” لمرافقَ عمومية بعينها في حين تكون حِذاها مرافق”خاصة” بعيدة عن كل سلوك مماثل بحجة أنها “نتاع الناس”.

بين “نتاع الناس”(الملكية الخاصة) الذي تتواطأ الثقافة الشعبية على تقديسه وحرمة الاعتداء عليه و“نتاع البايلك”(ما تنجزه أوتشرف عليه مؤسسة الحكم)الذي لا حرج فيه؛ يضيع الحليم من شدة الحيرة!. فلا يدري هل هذا “الشعب” مؤمن بعدم الاعتداء، أم أنه منفصم في تقديره للاعتداء ذاته؟!، طبعاً معاذ الله أن يكون ما أقوله هنا دعوة إلى وجوب المساواة في التعدي بين “نتاع الناس” و”نتاع البايلك“، ولكني أحاول أن أفهم كيف استطاعت هذه المفردة “البايلك” أن ترتحل مع الشعب الجزائري كل هذا الزمن(من عهد الاتراك إلى يوم الناس هذا)؛ فاقدةً كل “مدلول” غير “مدلول”: (أن يكون من حق “الناس” أن يعتدوا على الملك العمومي كيف ما شاؤوا؛ وأنَّى أرادوا، في سكوت تام لـ”الناس” عن الاحتجاج على الاعتداء أو نهي المعتدي)، مع تطور هذا المدلول إلى مستويات أعلى من “التبرْهيش” في كل مرة.

منذ فترة قصيرة “طِرتُ فرحاً” وأنا أرى بلدية أدرار تنجزُ مجموعة من فضاءات لعب الأطفال؛ في مختلف أحياء المدينة، ووَقَر في نفسي أنها فكرة طيبة؛ في ظل السكنات الضيقة(f2) وقذارة الشوارع وتقاسم جل مساحات اللعب في تلك الأحياء بين من “استطاع إليها سبيلا“، أقول: أنني “طِرتُ فرحاً” و”استبشرتُ خيراً”، آملاً أن تعوِّض تلك الفضاءات – على بساطتها – أطفالنا قليلا وتحُدَّ من حرمانهم المَهُول، غير أني وخلال مدة قصيرة جداً (لم تتجاوز الشهرين) رأيت “بِأمِّ عَيني” كيف تحولت “بعض” تلك الفضاءات بفعل فاعلين “ومع سبق الإصرار والترصد” – على ما يبدو- إلى خراب، ولم أتمكن من أن أعزوَ الفعل إلى مجموعة من المراهقين “الطوايشية”؛ كما أنه لم يمر من الزمن ما يكفي لأن يتدهور حالها بهذا الشكل، وهو ما يعني  تواطأ “بعض” الكبار(كي لا أقول الراشدين) في الأمر أو غضَّهم الطرف عنه، بالنظر إلى أماكن تواجد تلك الفضاءات المخرَّبة فأغلبها في وسط الأحياء السكنية، خَالصاً إلى أن “الشاب (المراهق) المخرّب” هو ابن “مجتمع مخرّب”.

اجتهدت أن أفسر الأمر من جهة الأسبابِ والغاياتِ فأشكَلَ عليَّ، وضاعت كل أدوات القياس وخانتني كل المعايير، وألجَمتني الحيرة…! وأغَصَّني السؤالٌ الثقيل:

  •  إلى هذا الحدِ صِرْنَا “بْرَاهِيشْ“؟!!

أعرف سلفاً أن البعض سيجزم “بسوء تخطيط” المنجزين وغِشَّهم في مواد الانجاز…، وأخرون سيحدثوننا عن المبالغ التي صُرفت جزافاً من طرف “الهيئات المشرفة” على تلك الصفقات…. وغيرها من الأحاديث الجاهزة المكرورة، التي يُمكننا أن نتُوه في تفنيدها أو تأكيدها؛ كل حسب هواه وفهمِه، لكنني أقول: – وأنا أعني ما أقول – أن ما حصل لا يعدوا كونه استصحاب لـ”عقلية البايلك” بمدلولِها سالف الذكر. “وْ رَبِّي يْدِيرْ الخَيْرْ!“.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.