رَوح المعاني…

شعب يقرأ، شعب لايجوع ولا يستعبد، إن الأمم القوية تبنى على القراءة، وبها يكون رُقيها وخلودها المحمود، وبها تعلوا في سُلَّم المجد، فلا يمكن استعبادها ولا استبعادها، فالكتاب يعتبر رقما صعبا في معادلة الحضارة والسموق، وأكبر دليل على هذا الدولة المتقدمة والرائدة في العالم اليوم، ترى أبنائها وطلابها لا يفارقهم الكتاب، والإحصائيات الأخيرة تثبت أن الطالب الجامعي في أمريكا يطالع مايزيد عن خمسين كتابا في السنة، سواءً في تخصصه أو غيره، كما أنك تجدهم يطالعون في القطارات والطائرات والمقاهي والطرقات، مجسدين قول الشاعر قديما ” وخير جليس في الأنام كتاب”، فهم أدركوا أهمية القراءة و دورها في تنمية الفرد، و بناء كيانه وفكره،  وتهذيب ذوقه كما أنها تنمي المواهب وتصقلها، وتجعل منه رجلا سويا يساهم في خدمة بلاده.

أما في الدول العربية فما أبعدهم عن هذا السر العظيم، حيث يشير تقرير التنمية البشرية عام 2011، الصادر عن “مؤسسة الفكر العربي” يشير إلى أن  الشاب العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً، بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنوياً، وهذا يوضح لنا مدى الكارثة الثقافية والعلمية التي يعيشها المواطن العربي، مقارنة بمواطنين في الدول الأوروبية، كما يؤكد وجود هوة ثقافية شاسعة بين ثقافة المواطن العربي وثقافة المواطن الأوروبي، وليس هذا فحسب بل أنك تجدهم رائدين في إنتاج الكتب وطبعها ونشرها في العالم بغزارة، وهذا ما نجده في “تقرير التنمية الثقافية” الذي أصدرته منظمة اليونسكو فإن عدد كتب الثقافة العامة التي تنشر سنوياً في العالم العربي لا يتجاوز الـ5000 عنوان. أما في أمريكا، على سبيل المثال، فيصدر سنوياً نحو 300 ألف كتاب، فانظروا إلى هذا الفارق الكبير، هذه هي أمة إقرأ، لكنها لا تقرأ، فالعالم العربي من محيطه إلى محيطه، لم يتمكن من منافسة دولة واحدة غربية في نتاج الكتب، وتجدنا نسعى لكي نتفوق عليهم في كل المجالات، وأن نصنع الحضارة والتطور والنهضة، فما أبعد الثرى عن الثريا..!

والدراس لتاريخ سلف الأمة، سيقف عند عديد النماذج الذين رافقوا الكتاب من المهد، وصولا إلى اللحد، سعداء بالرحلة الجلية التي قضوها في مداعبة الأوراق والمحابر، ومنهم من قضى ربيع عمره     وخريفه، منكبا على قراءة كتاب ما أو تأليفه، هذا مع تلك الإمكانية المحدودة التي كانت متوفرة في ذلك الزمن القديم، ويورد لنا الشيخ عائض القرني في كتابه المشهور”لاتحزن” مقتطفا من كتاب الحيوان للجاحظ، حيث يصف نِعَم الكتاب وفوائده الجمّة فيقول(الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك ، والصديق الذي لا يقليك ، والرفيق الذي لا يَمَلَّك ، والمستميح الذي لا يؤذيك ، والجار الذي لا يستبطئك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق..) فما أروعه من وصف، وما أجمله من بيان، ويروى أن سبب وفاة الجاحظ هو سقوط مكتبته الضخمة عليه، والتي كانت تحوي مئات الكتب في شتى العلوم، فبهذه الهمة العصماء، والمحبة العمياء للعلم و الكتاب، ساد أجدادنا الأرض ومن عليها، وأنشؤا حضارات دوّنها التاريخ وصفق لها الدهر آماداً طويلة جداً.

كما نجد من أهل الفكر في هذا العصر الحديث_ وما أكثرهم_، من يحث على الكِتاب ودوام النظر إليه، فعباس محمود العقاد الأديب العربي المصقع يقول متأسيا بمن خلى من ذوي الألباب والأبصار ونوابغ الرعيل الأول، جاعلا من القراءة رَحِما ينجب حَيَواة تجاوز الحياة المعرفة بضدها الأزلي، تلك التي تبقى بقاء هذه البسيطة، بل وتعدل أعمار الأجيال، بقول:(لست أهوى القراءة لأكتب، ولا لأزداد عُمرًا في تقدير الحساب، إنما أهوى القراءة لأن لي في هذه الدنيا حياة واحدة ،وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، القراءة وحدها هي التي تعطي الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة، لأنها تزيد هذه الحياة عمقا.)

بقلم : مبروكي محمد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.