سافر تجد عوضا…

هي دعوة إلى السفر والتجوال والتنقيب عن المجهول في هذا العالم الفسيح المترامي الأطراف، والنظر في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات وكائنات حية، والتأمل في نواميس الكون وسنن الله في الأمم السابقين، وإدراك عظمة الخالق البديع في صنعه، الذي أعطى كل شيء خَلْقَه ثم هدى،  وأخرجه في أحسن تقويم وأنضر صورة ، تجلت في الليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس.

 

إن الضارب في هذه الغبراء المنبسطة، يلاحظ الكثير من المشاهد التي لا يستطيع العقل الحَصِيف أن يمر عليها مرور الكرام،  بل تجده يقف عندها متأملا مشدوها لما يرى من أجناس وألوان، وألسنة ولغات يبغي بعضها على بعض،  طرائق قددا ، عادات وتقاليد متغيرة،  لكل شعب ثقافته وطقوسه وزيه الذي يفخر به، أذواق وعقليات، مِلَل ونِحَلٌ شتى، وكل حزب بما لديهم فرحون،  فهذا إنسان بشوش هشوش ، وهذا دون ذلك، وذلك فظ غليظ، غني وفقير، هذا قصير مربوع، وذلك طويل فاره، أبيض وأسود وأحمر وأصفر، كلٌّ وإقليمه الذي يعيش فيه، وقارته التي ينتمي إليها، ديانات سماوية وأخرى أوجدها الإنسان، كلٌّ فيها قد عَلِم صلاته وتسبيحه ،خلائط لا حصر لها، وعديد من المتناقضات  تمر تترا  على ناظريك تثيرك،  فتتسع بهذا آفاقك، وتتنوع أذواقك،  وتصقل طباعك، وتدرك بها مبتغاك.

كما  أن للتجول والانطلاق في أرض الله المفروشة للعباد، محاسن عظيمة ومنافع لا يزيغ عنها إلا من أبى ، إذ أنك تتأمل خلق الله المُتْقَن ، فهذه جبال تكاد بطولها السامق تلامس السحاب الثِّقال، وهذه بحار  زرقاء على مد البصر، تتخاطف فيها الأمواج ويركض فيها الزبد جفاء ليشكل رغوة بيضاء تطفو على الشاطئ مداعبة حباة الرمل،  وتلك أسماك متعددة الأشكال، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فهذا يعيش على سبانخ البحر وهذا على سمك أقل منه حجما ، وهذا على حشرات لا تراها بالعين المجردة،  حيوانات لها قانون فُطِرت عليه، فلا تحيد عليه قيد أنملة،  أما الَّنحْل فنظامه فريد تتجلى فيه الحكمة والإعجاز،  فهو يلثم الأزهار ليصنع من رحيقها شَهْداً  طيبا فيه شفاء للناس، عوالم تصول وتجول في هذا الفضاء، وكلُّ في فلك يسبحون .

وليس هذا فحسب بل ستجد كذلك في رحلاتك،  جنات ألفافاً معروشات وغير معروشات، مروج خضراء تخطف ألباب المبصرين، ومناظر تتنافس فيها الأزهار من هي الأجمل بين أخواتها، فتلك حمراء تسلي بعطرها الأجواء ، وهذه صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ، وبجوارها وردة بيضاء تمثل أية من آيات الجمال ، لو رسمت بريشة رسام متمرِّس على اللوح ، لمثلت بساط عسجديا بديع التصميم والاقتناء ، والنخل باسقات لها طلع نضيد،  وثمار يانعات، وقطوف دانيات، صنوان وغير صنوان، ونفضل بعضها على بعض في الأُكْلِ، جبال راسيات انبجست من حجارتها مياه عذبة لذة للشاربين،  وظل وارف يَحِنُّ علينا حنوا المرضعات على الفطيم.

 

وتجدني هنا أورد لك أخي القارئ مقتطفا من هذا الكتاب الذائع الذكر (لاتحزن) لصاحبه الشيخ عائض القرني_حفظه الله_ حيث يبين لنا  فائدة السفر ومنافعه وكيف أنه من أسباب السعادة وإزالة الهموم من على النفوس فيقول:( مما يشرح الصدر، ويزيح الهم والغم، السفر في الديار، وقطع القفار، والتقلب في الأرض الواسعة، والنظر في كتاب الكون المفتوح لنشاهد أقلام القدرة وهي تكتب على صفحات الوجود آيات الجمال، لترى حدائق ذات بهجة، ورياضا أنيقة وجنات ألفافا…إن الترحال في مسارب الأرض متعة يوصي بها الأطباء لمن ثَقُلَتْ عليه نفسه، واظلمت عليه غرفته الضيقة، فهيا بنا لنسافر لنسعد ونفرح ونفكر ونتدبر…) فما أجمله من وصف وما أروعه من بيان، إنها رسالة لاكتشاف هذه الدنيا وماتحويه من العجائب والغرائب، والتمتع بما سخره الإله، ففي هذ تجديد للحياة، وراحة وعِلْم عبادة.

بقلم: مبروكي محمد

2 تعليقات
  1. عزيز بوعزيز يقول

    بوركت أخي محمد على جرة قلمك التي بعثت في خلجاتنا حركة بعد سكون وسافرت بها بين المجهول والمعلوم ودعنها للتدبر في آيات الكون .
    ويبقى السفر مرتعا المتأملين مطيا للطامحين فنحن في سفرياتنا قد نشعر بالغربة بالنسبة لأهل البلد الذي سافرنا إليه ولكن وجب علينا أن نتعلم من الغربة فهي أم الأوطان يتعلم فيها الأشقياء ويتخرج منها الأذكياء.

    1. أقواس يقول

      شكرا لك على تفاعلك ممتنون لمتابعتك لنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.