كورونا يكشف الغطاء

“الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا” مقولة  تنسب للخليفة الراشد الإمام علي كرم الله وجهه، ويمكن إسقاطها  اليوم على واقع العــرب النائمين في غيابات الجُبِّ، في ظل تحديات لا تعترف إلا بالقوي، وعالم لا تضع الحرب فيه أبدا أوزارها، ولا تستقر فيه على لون واحد .

في كل يوم معدل الصراع والتوتر في تصاعد، والأزمات يلد بعضها بعضا، والسباق الأزلي بين المعسكرين الرأسمالية الأمريكية وحلفاؤها والشيوعية الروسية والصينية وأذنابهما، بل كاد تتوقف، بينما العالم العربي يخبط بينهما خبط عشواء،  بإعلان الولاء تارة والحياد تارة أخرى، إذ لا صديق دائم ولا عدو دائم  ولكنها مصالح دائمة لا غير.

وقد تكرس هذا بشكل صارخ في عُرف الدول الكبرى، والحرب البيولوجيا القائمة اليوم باسم فيروس كورونا المستجد(كوفيد-19)، كشفت الغطاء عن مشهد لن تنساه البشرية سيما الدول المتخلفة المغلوبة على أمرها، وأدخل سكان الأرض في حجر صحي والمنزلي لم يسبق له مثيل في التاريخ، بل وعطّل الجامعات والمدارس والأسواق ودور العبادة والمطارات والسكك، وحصد أرواح الألوف من الخَلْق في وقت وجيز، دون تفريق بين عرق أو جنس أو لون، فالناس جميعا سواسية أمام هذا الفيروس، كما أن الحياة في المستقبل  لن تتسع إلا لمن يدرك معنى إدارة الأزمات في وقت الشدة والطوارئ المباغتة، والأرض رغم شساعتها تضيق بالشعوب الضعيفة، فبينما تتسارع الدول الكبرى بحثا عن لقاح للفيروس.

يظل العالم العربي بجامعته الكسيحة، يقف كالمتفرج البائس،كيف لا وقد أنفقت بعض دول الخليج النفطية ملايير الدولارات في شراء الأسلحة وقاذفات الصواريخ، بما يفوق روسيا البيضاء وبعض الدول الأروبية مجتمعة، ولو أنها وجهت معشار ذلك للطب والبحث العلمي، لما مدت يدها كالمتسول الشحاذ، مترقبة صنع اللقاح في مخابر الغرب ليشتروه بأثمان باهضة كعادتهم،  فهم لايصلحون إلا لهذا، بقرة حلوب تدر المال بشكل سخي جدا، والرئيس ترامب أدرك هذا رغم سفاهته فكان يطالبهم بالدفع وملء الخزائن الأمريكية، فيعطوه الجزية عن يد وهم صاغرون.

كما أن كورونا أثر على الاقتصاد العالمي وأعاد الصين إلى الواجهة كرقم صعب، باستغلالها الذكي واقتنصاها الفرصة بشراء جل الشركات الأمريكية والأوربية المقيمة في بلادها بالمبلغ الرمزي وأعادت تأميمها، خاصة الموجودة في ووهان معقل الوباء الذي لم يعُد موجودا فيها، إذ تُعدُّ مركزا رئيسيا للصناعة والاقتصاد، هذا لاحتوائها على عدد كبير من مصانع إنتاج الحديد والفولاذ،  أما أسعار البترول فتشهد انخفاضا مريعا، وهذا ما أربك الدول القائمة على الريع، وجعلها تخرج من منطقة الراحة بحثا عن مصدر آخر.

إن فيروس كورونا سيختفي مثل الإيبولا و الأنفلونزا الطيور وغيرها من أوبئة هذا القرن، وستستفيق المعمورة بعدها لتكتشف أن الخريطة السياسية  للعالم قد تغيرت مع موازينها، وأن السيئ يعقبه الأسوأ، والشعوب العالم الثالت العربي، لاتزال ترضخ تحت نيري الحروب الأهلية  والنزاعات الإيديولوجية المقيتة، فمن التفريط في  القدس إلى تدمير سوريا وليبيا بأسلحتهما، وقوفا عند حرب اليمن مع دول الجوار، وصولا لأزمة الخليج بين الأشقاء،  وعسى أن هذه الحرب الإيديولوجية الراهنة، قد أيقظت ما يمكن إيقاظه. لنعيد ترتيب أولوياتنا، فالناس سواسية وقت النعم، لكن إذا نزل البلاء تباينوا.

كتبه: مبركي محمد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.