مدينة بلا ذاكرة

منذ أعوام قليلة (سنة 2009)، وفقتُ بوصفي منشطاً لبعض الفعاليات الثقافية على تذمر فرقة موسيقية جاءت ضمن وفد ولاية من ولايات الوطن في تبادل ثقافي.

حين صعد أعضاء الفرقة على منصة “سينما الجمال” بدا بعضهم في اطلاق تعليقات تنم عن احتقار المكان لأنه أقل من مستواهم، وهم الذين جالوا وغنَّوا على عدد غير يسير من أجمل المسارح والقاعات في الوطن والعالم.

انتابني شيء من الغيرة فصرحت لهم عن تاريخ حافل من أمجاد هذه المنصة، قلت لهم: “يجب أن تفخروا بأن المنصة التي تقلُّكم الآن، وقفَ عليها قبلكم طائفة من خيرة الفنانين في الجزائر وفي الوطن العربي من أمثال: محمد الحيَّـاني، جيل جيلالة، حميد الزاهر، هيام يونس، عبد الله المناعي، جوق الاذاعة الوطنية  بنجومه بداية بالهادي رجب ودرياسة… وليس انتهاء بمريم وفاء وجهيدة وسعاد بوعلي…

لقد كانت تلك البادرة مني بناء على ما سمعته مشافهة من عدد الفنانين الموسيقيين في أدرار، والذين كان لهم شرف مرافقة نخبة من ألمع الفنانين في الجزائر، وهو ما يجعلني أطرح السؤال الكبير: من المسؤول عن غياب هذه الحقبة من الذاكرة من التداول العام؟!، إنه سؤال لا أطرحه لتحميل المسؤولية لطرف بعينه، ولكنه تساؤل عن معقولية هذا الفراغ

 إن الذي قلته عن الفن والثقافة يصدق على قطاعات أخرى من فضاءت ذاكرة المدينة!، إذ كيف يمكن لمدينة تحسب الآن في عمرها ما يناهز القرن – إذا اخذنا بما اعتمده المنادون قبل أعوام بالاحتفال بمئوية أدرار– أن تكون بلا متحف؟! وأنا هنا أفرق جيداً بين تاريخ “أدرار المدينة” وتاريخ الاقليم الضارب في القِدم.

أعرف سلفاً أن الكثيرين ممن سيقرأون هذه السطور سيتذكرون أنه كان للمدينة متحف أوربما متاحف، لكن أين هي الآن؟! وكيف يمكن أن نقنع مواليد الثمانينات والتسعينات والألفين بهذه المدينة، أنهم يصلُّون في مساجدهم ويدرجون في زواياهم على مواطن ومواقع صلى وصَال بها علماء أجلاء وسادة أخيار، أو أنهم يمشون على تاريخ هام ويجلسون ربما على مقاعد في المدراس أو على طاولات في المقاهي.. جلس فيها وعليها قبلهم مشاهير وذوي شان، وقل مثل ذلك عن الرياضيين والمهندسين والعلماء…. دون أن يتوفر لنا اليوم أدنى أثر موثق. ناهيك عن أدلة مادية تثبت عبقرية أباءهم وأجدادهم في شتى مجالات الحياة.

وإذا تجاوزنا هذه واستطعنا أن ننقل الرسالة إلى ابناءنا عبر الذكريات الشخصية والمشافهة – وذلك بعيد المنال- فمن يقدم المدينة للزوَّار والسوَّاح بما تستحقه من التقدير والانبهار.

ليعذرني الجميع، ولكنني أتحدث هنا عن واحدة من أبجديات المَدِينِية!!!

وعن كل ما يفترض أن يمثله المتحف لأي مدينة، إن كانت “تحسبُ نفسها” مدينة!!!

وهو سؤال لا يخصُّ “مدينة أدرار” وحدها – بوصفها المدينة الرئيسة – ولكنه ينسحب على غيرها من “مدن” الولاية.

كتبه : عبد القادر اعبيد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.