هل عندنا جمهور ثقافي؟

بقلم: بشير خلف       

ملتقياتنا الثقافية، وندواتنا الفكرية يغيب عنها الجمهور الثقافي ؛ ولا يتعلق الأمر فقط بالملتقيات التي ينظمها القطاع الثقافي، أو الجمعيات الثقافية، أو جهات أخرى محلية، ولكن حتى ما يُــنظم بالجامعة ، حيث جمهور الأساتذة والطلبة موجود؛ لكن هذا الجمهور لا يهمّه عما يجري من حوله: فبعض الأساتذة يقاطع الندوة لأنه على خلاف مع بعض أعضاء اللجنة المنظمة، والطلاب لا علاقة لهم إلا بالدروس للحصول على العلامات . في الجامعة وهذا ما لمسته في العديد من المرّات أن أساتذة وطلبة كلية الآداب لا يحضرون ملتقى، أو ندوة تنظمها كلية العلوم الاجتماعية، وبالمقابل لا يحضر هؤلاء ملتقى، أو ندوة تنظمها كلية الآداب وكلا الكليتين متجاورتان في نفس الجامعة.

بل في الجامعة بمجرّد أن تتمّ مراسيم الافتتاح، وتبدأ الجلسات العلمية يبقى في القاعة غير المُحاضرين الذين أغلبهم غايتهم الحصول على شهادة المشاركة للاستفادة منها في الترقية، أو الطلبة الذين عادة ما يحضرون تلبية لأمر أستاذة، أو أستاذ الاختصاص . نحضر اليوم ملتقيات ثقافية في هذه الولاية، أو تلك لا نجد أثرا للجمهور الثقافي من المجتمع، تنظمها هذه الهيئة أو تلك، وكم يشقى منظموها في توجيه الدعوات، والاتصال بمن يروْن أنهم أهلٌ للحضور، وفي غالب الأحيان يكون الحضور مخيّبا للآمال. 

أتذكر أن المحاضرة، أو الندوة في السبعينيات، وحتى الثمانينيات في قاعة الموقار، أو في قاعة النفق الجامعي، أو قاعة اتحاد الكتاب الجزائريين، أو فروعه خاصة فرع وهران، وقسنطينة ،وكذا المركز الثقافي الإسلامي، أو في جامعة الجزائر المركزية كانت القاعات تضيق بالجمهور من أطياف متعددة من المجتمع؛ كما كان الطلاب يتسابقون على المقاعد مع الأساتذة، والجمهور أيضا من خارج الجامعة يظل فارضا حضوره حتى انتهاء المناقشة، أو المحاضرة.

في السنوات الأخيرة وحتى في أيامنا هذه تنظم هذه الجامعة، أو تلك ملتقى يتعلق بالشعر، أو بالسرد، أو المسرح ،أو بالنقد، أو ما يتعلق بالإبداع الأدبي فلا تستدعي أي مبدع من خارجها، ومن يحضرون من المبدعين قـــد يكونون أساتذة، وما هو مؤكد أن الطلبة فيهم من سلكوا درْب الإبداع، ولهم مواهب وبإمكان الجامعة اكتشافهم، ورعايتهم، وإبرازهم في هكذا ملتقيات، ولكن لا يُلتفت إليهم؛ والعكس أن الملتقيات التي ينظمها القطاع الثقافي مركزيا، أو محليا لا يحضرها أساتذة الجامعات، ولا يُوصون الطلاب بحضورها حتى يبرزوا، ويشاركوا في الفعل الثقافي في المجتمع، ومنهم سيتكون الجمهور المثقف الذي يُعوّل عليه مستقبلا؛ حتى النوادي الأدبية بأغلب الجامعات اختفت.

قد يقول قائل : غياب الجمهور الثقافي من الساحة يعود بالدرجة الأولى إلى انتشار وسائل المعرفة الحديثة التي صار في إمكان الكبير والصغير، المتعلم والمثقف، الطالب والأستاذ الحصول عليها من مصادرها، وبأسرع وقت، ولا حاجة لهكذا ملتقيات وندوات، ومن ثمّة يرى عدد من المثقفين أن هذه الملتقيات الأدبية فقدت قيمتها وأهميتها، ولا أمل منها في التأثير على المشهد الثقافي؛ كما أن العديد من هذه الملتقيات هي تكرار مُــمِلٌّ لبعض المواضيع والوجوه، التي همّها في الحضور على المتعة السياحية أكثر من ممارسة الثقافة في الملتقى، كما أن تلك الملتقيات هدرٌ للمال، الذي من الأجدى صرفه ففي حاجات اجتماعية؛ كما أن التوصيات التي تخرج بها تلك الملتقيات كل عام مكررة، ودون متابعة لتوصيات الملتقيات التي سبقتها، ودون أن يحمل هم تنفيذ التوصيات الجديدة.

يبدو لي أنّ الجمهور الثقافي يأتي نتيجة التربية والتكوين، فالمنظومة التربوية منها تبدأ صناعة الجمهور الثقافي، من غرْس حبّ المعرفة، والتدريب على مهارات القراءة والمطالعة منذ السنوات التعليمية الأولى، وكذا استثمار حصص التنشيط في الاستماع إلى الإبداعات الشعرية، والسردية، والمسرحية، والتنافس الثقافي بين المؤسسات، لتكتمل صناعة الجمهور الثقافي في رحاب الجامعة، ضفْ إلى ذلك أن العديد من القطاعات من مهامّها المشاركة في هذه الصناعة كالمجتمع المدني بكل مكوّناته، سيّما الأحزاب.

السبب الأهمّ في رأيي عدم وجود استراتيجية أو رؤية وطنية شاملة للثقافة، لا يوجد عندنا مشروع ثقافي قومي مؤسِس لثقافة وطنية. لا نعجب لمّا نجد المواطن العادي ينظر إلى الثقافة على أنها فعل فلكلوري، وتبذير للمال العام.. كيف يمكن إقناع هذا المواطن بأن الثقافة معرفة، وتنوير، وسلاح للرقي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.