عن الغوغائية، أو استحالة العمومية.. مقدمة لليأس من خصوبة الرأي العام

“يهرب الفرد إلى الجماعة ليواسي نفسه من مآسي الطبيعة، ثم يهرب إلى الطبيعة ليواسي نفسه من مآسي الجماعة”.

سيباستيان روش نيكولا (المدعو: شومفور).


في كتابه حول “التحول البنيوي للفضاء العام”، يحيلنا جورغن هابرماس إلى إحدى الظواهر الأساسية التي تشكل جوهر المجتمع الإنساني المعاصر، خصوصا بالموازاة مع نشأة الدولة الأمة. يتعلق الأمر بإشكالية الفضاء العام أو العمومية la publicité، ليس بمفهوم الإشهار كما يوحي به الاستخدام المتداول كثيرا في اللسان الفرنسي، وإنما بمفهوم يقترب من الرأي العام وتداول الناس المنتمين لنفس المجتمع للقضايا العامة ذاتها.
يعترف هابرماس ذاته بأن الفضاء العام الذي يتخيله كأسلوب جديد لممارسة الديمقراطية المباشرة في زمن البرجوازية الذي احتوى الثورة الفرنسية، أضحى في الوقت الحالي أقرب ليوتوبيا une utopie يستحيل أن تتحقق في المجتمع المعاصر لعوامل عديدة، تبدأ من اتساع النطاقات الاجتماعية إلى مستوى الدولة كحاضنة سياسية للمجتمع، ما غيّر أسلوب الممارسة السياسية إلى الديمقراطية التمثيلية، ووصولا إلى دخول وسائل الإعلام على الخط وتحولها تدريجيا إلى فضاء عمومي زائف تسهل إدارته من قبل من يملك السلطة، يختلف تماما عن الآغورا اليونانية L’agora، أو مقاهي وصالونات باريس زمن الثورة.
وجه الاختلاف هنا هو آليات إنتاج الرأي العام والفاعلين في عملية الإنتاج، ففي عصر الآغورا كان الفيلسوف الحكيم هو من يسوق العوام إلى الرأي السديد. أما في زمن الثورة، فقد نأى بهذه الوظيفة المثقف بمفهومه السوسيولوجي المعاصر. أما في عصر وسائل الإعلام، فقد تعرفنا عن شكل جديد لصنّاع الرأي، وهم النجوم: شخصيات تتمتع بحضور قوي في التلفزيونات والصحف، وهي في الغالب الأعم بعيدة عن القضايا العامة، ويجري اللجوء لقوتها الاجتماعية لتغليب الكفة في بعض المواقف مثل الانتخابات.
إضافة إلى النجوم وعلاقتهم بالشؤون العامة، هناك نمط آخر من صناع الرأي العام قدّمه لنا نشاط العلاقات العامة، وهو “أطباء الخفقان” spin doctors. هؤلاء ليسوا أطباء بمعنى الكلمة، ولكن وظيفتهم الأساسية هي تدوير الرأي العام في اتجاهات معينة بما يخدم مصلحة جهة تتولى دفع مستحقاتهم، وهم في الغالب خبراء أو مختصون في القضايا محلّ التداول العام، ويستطيعون بفضل خبرتهم تقديم رأيين متناقضين في القضية والدفاع عن الرأي الذي يضمن عائدا ماديا أفضل، فيما يدافع المثقف عن الرأي الأكثر صوابا وفقا لإحساسه بالمسؤولية.
أمام التعقيدات التي خلقتها هذه التحوّلات، يعترف هابرماس بقلمه بأن الحديث عن رأي عام موحّد وفضاء عمومي واحد أصبح يوتوبيا، إذ لم تعد مهمة بلورة رأي عام يوحّد الناس بهذه السهولة، فكثرة الفاعلين ووابل الأجندات الذي تقترحه وسائل الإعلام لا يشتت الرأي العام فقط، بل يشتت القضايا العامة في حدّ ذاتها، ويضع فكرة العمومية la publicité موضع تساؤل أنطولوجي: هل بإمكان الناس أن يفكروا معًا في موضوع واحد؟.
يجد رأي هابرماس المتشائم هذا سندا قويا من اثنين من أبرز مفكري العصر الحالي: بيير بورديو الذي يشق طريقا آخر من خلال رفضه المطلق لأساليب قياس الرأي العام الحالية، بحكم التحيزات المنهجية التي تحدثت عنها إليزابيت نويل نيومان بعمق في دوامة الصمت. وإضافة إلى بورديو، يبرز اسم ميشال فوكو في واحد من مفاهيمه العبقرية التي لم تحظ باهتمام كاف، وهو مفهوم طوبولوجيا الاختلاف l’heterotopologie. في نظر فوكو، فإن فكرة وجود فضاء اجتماعي واحد في الجماعة تفتقد لأي سند، وما ينسفها هو وجود فضاءات مضادة des contre-espaces، وهي عبارة عن عوالم أفضل des utopies يحقق فيها الأفراد وجودهم بشكل أحسن بالمقارنة مع الفضاء العمومي، ويعمدون حتى إلى تأسيسها للإحساس بالتحرر من ضغط الجماعة، البعض يعشق الطبخ، والبعض الآخر الرياضة، وآخرون يحبون العصافير… ومن المستحيل أن تؤسس الجماعة كلها فضاء مختلفا une heterotopie، وتصبح تبعا لذلك خليطا من الفضاءات المضادة التي يعجز الرأي العام عن اختراقها وتطويعها، بل إنه يبقى حائرا أمام تصادمها وتقاتلها في بعض المواقف في مشهد غوغائي تكرر كثيرا.
بالعودة إلى تشاؤم هابرماس، فإن الأمر لا يتعلق بالفضاء العمومي فقط، بل يتعداه إلى فكرة الدولة في حد ذاتها. هنا المشكلة بالنسبة له، لأن المجتمع المعاصر آمن بالدولة كوعاء سياسي وحيد للجماعة على الرغم من أنها عاجزة فعليا عن خدمة المصلحة العامة. العمومية شيء مستحيل: من الرأي العام، إلى الفضاء العام إلى المصلحة العامة…

نورالدين هميسي  –الحوار المتمدن 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.