هل تتوقف حرية المرأة عند هذا الحدّ؟

“تنتهي حريتكَ عندما تبدأ حرية الآخرين” هي مقولة شهيرة للكاتب الفرنسي “مونتسكيو” من كتابه ” روح الشرائع”  تلخص المفهوم المعتدل لحريّة الإنسان بصفة عامة، ذلك أنّ حريّة الإنسان محدودة غير مطلقة، فدائماً الإنسان مقيّد بضوابط وأحكام إما أخلاقية أو قانونية تختلف من مجتمع لآخر، وأيّ فعل أو قول يصدر من الفرد لا يخلّ بتلك الجونب ولا يلحق ضرراَ بالآخرين  له مطلق الحرّية فيه.

لكن، ما يهمّنا ها هنا هو حريّة المرأة بصفة خاصّة، وهي إحدى أهم القضايا التي شغلت المجتمعات منذ القدم. بحيث اختلفت نظرة الشعوب للمرأة عبر التاريخ، ففي حين كان الصينيون والهنود والإغريق يحتقرونها ويعتبرونها مجرد متاع للرجل، كان الفراعنة والروم يقدسونها ويعلون من مكانتها، فهي كانت تشارك الرجل في كل شيء حتى أنها وصلت إلى السلطة والحكم في العهد الفرعوني، كما شغلت رتب حساسة في المجتمع، فشغلت منصب قاضي وحتى كاهن في العهد الروماني. لكن مع ذلك اقتصر دور المرأة في كونها فقط تابعة للرجل وامتداد له، ولم تمُنح استقلاليتها التامة، والأمر ينطبق على المرأة العربية كذلك سواءاً في الجاهلية أو بعد الإسلام.

مع بدايات القرن التاسع عشر أخذت أصوات النساء حول العالم ترتفع مطالبةً باسترجاع حقوقها المسلوبة، بدءاً بحقها في التصويت والمشاركة السياسية، وهكذا وبفضل هذه الحملات التحررية وبعض المنظمات الإنسانية والجمعيات الحقوقية تم كفالة حقوق المرأة بفضل سنّ قوانين حديثة صارمة في هذا الشأن استطاعت استرجاع للمرأة مكانتها التي تستحقها مقارنة بما مرت به في العصور السابقة. وهذا ما أعاد لها شيئاً من حريتها المغصوبة : كحريتها في اختيار الديانة، وحريتها في التصرف في ممتلكاتها، وحريتها في اختيار شريك حياتها، وحريتها في شغل أيّ وظيفة أو منصب رسميّ… وغير ذلك.

لكن السؤال الذي نطرحه هنا: هل تتوقف حرية المرأة عند هذا الحدّ؟

إن كل ما ذُكر سابقاً هو بمثابة حقوق طبيعية للمرأة لا جدال فيها، أما المفهوم الحقيقي لحرية المرأة فيتعدى ذلك بأشواط، وهو أن تمتلك المرأة الاختيار في كل ما يتعلق بجسدها وروحها ونمط الحياة الذي تريده، وأن تكون مسؤولة عن نفسها دون وصاية أو ولاية أحد، هو أن تكون حرة بذاتها وإنسانيتها.” هذه هي الحرية الحقيقية التي تصبو إليها جميع النساء ، وربما استطاعت المرأة الغربية أن تصل إلى هذا المستوى من التحرّر والاستقلالية،  فهي منذ نشأتها تعامل معاملة عادلة مثلها مثل أخوها “الذكر” وتشاركه الصلاحيات نفسها في الفرص والتجارب وحرية اتخاذ القرارات، لكنَّ المرأة العربية في المقابل لا زالت تعاني من الاضطهاد والتمييز والتسلط، بحيث تعتمد تربية الفتاة في مجتمعنا على تدمير ثقتها بنفسها، وفرض حصار صارم عليها منذ الصغر بحيث تصبح عاجزة وغير قادرة على الاستقلال واتخاذ قرارتها بمفردها، فهي في حاجة دائمة إلى “رجل”  يساعدها على العيش لأنها أقل وأضعف بمفردها. نعم، تلك هي حقيقة نظرة مجتمعنا إلى المرأة، ربما يلجأ بعض الآباء إلى هذا الأسلوب بنيّة حماية بناتهن، لكن، هل نفذت كل وسائل الحماية إلاَّ من تحويل حياة هذه الكائنات إلى سجن محكم الجدران وتقييد حرياتهن بهذا الشكل؟ !!

إنّ المفهوم العربي لحرية المرأة في منتهى السطحية، فهو مرتبط دوماً بالإباحية والانحلال ونشر الفساد، ويعمل رجال الدين على ترسيخ هذا المفهوم في عقولنا واجترار أسطوانة حفظناها عن ظهر قلب عن مدى كفالة الإسلام لحقوق وحرية المرأة، وكيف أن المرأة الغربية تعاني الضياع والتيه بسبب منحها حريتها الكاملة ومساواتها مع الرجل. لكن، هذه المقارنة تظل غير عادلة ومتكافئة !!؟ فكيف يُعقل أن تسلب النساء حرياتهن فقط لأن البعض منهن أخطأ في ممارستها، في حين أن الرجال أيضاً لم يسلموا من هكذا أخطاء وأساءوا استخدامها أيضاً !!؟  

إذن، إن  هذا دليل قاطع على مدى عنصرية مجتمعنا العربي اتّجاه المرأة، أما السجن الذي تعيش فيه الفتاة فما هو إلا عقوبة مسبقة لخطأ يحتمل أن تقع فيه إن هي مُنحت حريتها الكاملة. نعم، هذا هو فهم المجتمع العربي لحرية المرأة وهذا انعكاس طبيعي لنظرتهم لها على أنها سوى عورة وفتنة وَجَبَ تغطيتها ومراقبتها وإبعادها عن الرجال حتى لا تثير غرائزهم. وهذا يفسر تأخر الأمة العربية عن ركب الدول المتطورة بكثير، ففي حين استطاعت المرأة الغربية فرض مكانتها، وأصبحت تنافس الرجل حتى في الحكم وترشحت للرئاسيات، لازلنا نناقش مدى شرعية وضع المرأة لصورتها الشخصية على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي مثلها مثل أيّ إنسان طبيعي له هويته وشخصيته !!

وبإسقاط مفهوم مونتسكيو للحرية عامّة على حرية المرأة خاصّةً، نجد أنها تتلخص في أن المرأة حرة في كل قراراتها وكل ما يتعلق بحياتها  مالم يلحق ذلك ضرراً أخلاقيّاً ، ومادام في حدود القانون.

المرأة الحرة هي المستقلة الي تعيش دون وصاية أحد.

بقلم:/ أميرة عوماري

 

2 تعليقات
  1. عبد الرحيم خليلي يقول

    ما دام في حدود الدين وليس في حدود القانون، على المرأة المسلمة أن توفق بين العلم والدين في كتاباتها وليس أن توفق آراءها على حسب تقاليد الغرب وعاداتهم.

  2. مصطفى اوماوي يقول

    أتفق معك فيما يخص تقييد حرية المرأة في مجتمعاتنا العربية، لكن في نفس الوقت لا يجب أن ننسى أن الإسلام أعطى للمرأة حريتها الكاملة وما تبحث عنه النساء اليوم من حرية مستمد من أفكار غربية تحاول بشكل أو بآخر أن تؤثر على الضوابط الشرعية والإسلامية، ولنا في إحتفال الغرب وتثمينهم قضية منح المرأة السعودية حديثا رخصة قيادة السيارات العبرة في أن الغرب يتابع تحركاتنا ويحاول أن ينال منا بما أنتيحت له من سبل، والله أعلم .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.