وبعض الدموع جواهر وعبر

     هَلاَّ حدثتك عن دموع من نوع آخر فلعلك نسيت أنها ليست عنوانَ الحزن دوما:

أرأيت لو أنك اشتقتَ إلى شخص عزيز عليك وفي لحظة بدا لك أن اللقاء به يكاد يكون ضربا من المستحيل ، فتخالف الصدفة توقعاتِك وتلتقي به في موضع لا نويت ولا حسبت أنه سوف يجمعكما ، فيشتد العناق بينكما وتستسلمان للدموع فمن قال أن الدموع عنوانٌ للحزن دوما ؟

     أدعوك للخلوة بنفسك في لحظة تأمل واسترجاع لصورة تذكارية لحبيب تمنيت أن يمهله القدر ليكون رفيق دربك ألما وأملا، وما قضى الله أن يكون فقد كان ، بل ربما من فرْط تعلقك به ما فتئت تتمنى أن تكون سابقه في الموت … تمالكت نفسك ثم ما لبثت أن أطلقت العنان لدموعك سائلة على خديْك ، لتجد أحدهم ينحني إليك مشفقا سائلا معتقدا أنَّ مكروها أَلَمَّ بك وما درى أنها دموع شوق عظيم لألم قديم لخليل حميم أطل بطيفه من نافذة الذكرى ، والحقُّ أنه تحت الثرى ….

وحين يبشرك الله بفرح وبشرى من عنده ، فلا تجد وسيلة مُثلى للتعبير عن مشاعرك إلا ما تكتنزه عيناك من لؤلؤ شفاف فتأذنَ له بالنزول إيمانا منك أن لا كلمة يمكنها أن تكون أصدق من دمعة فرح …

أرأيت لو أنك وقفت تناجي ربك في جوف الليل مستغفرا إياه عن عظيم الذنوب والخطايا، سائلا إياه كريم الخصال والسجايا، وحينذاك تجد نفسك في غاية الضعف فيخشعَ قلبك من خشية الله لَتكادُ عيناك تبكي دما…

     كم كان أبو العلاء المعري عميقا جدا في تأويله لِنُواحِ الحمامة حين لم يجزم بأن نُواحَها حُزنٌ أم سعادة إذ يقول :

أبَكَتْ تِلكم الحمامةُ أم غَنَــ       تْ عَلَى فرع غُصْنها الميّادِ

ويكون المعريُّ بذلك التصوير البليغ والتمثيل البديع قد ترك الباب مفتوحا للمشاعر فهي من تقرر نوع الدمع الذي يفيض من العين، ولا شك أن النفس القنوعة المطمئنة، الموقنة برجوعها إلى ربها راضية مرضية، سيمتحنك الله من خلالها بهذا الشعور وذاك، تارة حتى تحسَّ بمن ضاقت عليهم الأرض بما رحبتْ، وتارة أخرى لتسعد وتبكيَ جرَّاء ذلك فتتذكر من كنت بالأمس ضمن جَحَافِلهم فتدعوَ الله أن يخفف من وطأة آلامهم لأنك أصبحت أدرى بما تخفيه صدورهم…

من قال أن الدموع عنوان الحزن دوما فقد أخطأ، ومن يصرُّ على العيش على حافة الحزن دوما كما لو أن الأمل مفقود فقد ظلم نفسه وظلمنا معه ، حينما يعلم أن روحنا بعض من روحه ، فعطفاً على أنفسكم وعلينا فوجوهكم خُلِقت لتبتسم وتبكي فرحا، حتى إن خُيِّل إليكم في لحظة انكسار وقضاء أقدار أنكم والسعادةَ خطَّان لا يلتقيان …

فاللهم إن كان لا بد من قضائك نازلاً ، فاقضِ لنا ما يجعلنا نذرف دموعا من شدة الفرح والفرج ، وثبتنا على صراط مستقيم غير ذي عوج .

بقلم: معطا الله جمال 

2 تعليقات
  1. حاملة المسك يقول

    وتبقى الدموع متنفسا عندما تخوننا العبارات، ما أعظمها دموع الخشية وما أصعبها دموع الفراق

    1. أقواس يقول

      جميل …شكرا لمرورك و تفاعلك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.