إعلام محلي يذروه الإبداع

إن المتتبع لكرونولوجيا الإعلام المحلي في  #أدرار سيقف فرحا مسرورا لبعض الشباب الذين كسروا جدار الصمت وتحدوا الجغرافيا وتجاوز التعتيم الذي نسف عديد المواهب في مهدها بقصد أو بغير قصد،  وظل عزاؤهم  دوما موالفين بالله يخلف… الله غالب… وشكون باغي اسمع بيك،  عبارات تسلى بها هؤلاء ليخفوا خيبات الأمل المتراكمة، وإن منهم لمن  قضى نَحْبَه غيظا وكمدا، وقلبه يُعتَصَر حسرة لفرط التهميش الذي طال طموحه البريء مع عديد المراسلات للجهات المعنية، ويكفي مثالا  عمي ادريس البَشَّاري الذي رحل  عن الدنيا بصمت قبل أيام من شهر رمضان-رحمه الله-

أما اليوم وأخص الشهر الفضيل لهذه السنة، فتشهد ولايتنا نقلة نوعية في دنيا الإعلام المرئي الذي  يُطل علينا  عبر مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات اليوتوب، كشكول من البرامج رمضانية الماتعة،   ينحني لها الرأس احتراما وتشجيعا، إذ أن بعضها يعيد بعث رائحة الطين المُندّى في القصور التواتية الممزوجة بعبق لهجتنا الضاربة في الرمل، ويرسل لنا من ثنايا الساقية والقَصْري أمثالا شعبية حاكها الأجداد من وحي التجربة والحياة، كما أن شخوصه  صوروا لنا ذلك الإنسان البسيط المشبع بالحكمة، يجلس في الزقاق بقندورته الواسعة،  وعمامة عريضة يَعِزُّ عليه فراقها، يسأل عن جاره إن غاب ويشاوره في جل ما يمر به في يومه من أفراح وأتراح، بل قد يكون أبا ثانيا لأبناء جورته تأديبا وربما ضربا إن لزم الأمر، يحدث هذا بأسلوب  غاية في السهولة  تزينه أقوال الأقدمين المليئة بالمعاني، #جنان الجامع هو عنوان هذه السلسة الاجتماعية    المستوحاة مِن جهة معروفة في قصر أدغا العتيق وهي منطقة هجرها معظم سكَّانها  فأصحبت أطلالا  تعوي فيها الريح، هذا المكان  يعكس مساكن أهل المنطقة في حقبة سالفة،  من جدران حمراء وأبواب من خشب تليد، وبيوت تتخذ من الكَنَّافة وعمود النخل سقفا لها،  وفرش من نوع (الْبَرَّاكْنُو) الذي تغزله آلة المنسد من الأثواب البالية باختلاف ألوانها، فأبطال هذا العمل    حاولوا إعادت بعث  الروح في هذا الحَيّز المنسي  من خلال سلسلة تستعين بالطبيعة البكر مسرحا للأداء والإبداع، فَِنعمَّت الفكرة يا محمد رضوان وبطولة ياالسي عبد الغاني ومن معك من الشباب الذي نراهم مشهدا وكولسة في الجنيريك الأخير  من كل عدد أطلقتموه لحد الآن.

وغير بعيد عن هذه الصحوة المستحسنة،  مؤسسة #أقواس لصاحبتها المثابرة حنان وطاقمها الحالم تمكنوا بلمسة فنية إحالة مكتب عملهم  إلى استوديو تصوير ينثروا الضوء بين المتابعين،   إذ تسعى محاوله غربلة بعض من الإشعات المغلوطة والمعتقدات الخالية من الصحة والعلم،  تجرعها  فئة من الناس بما فيهم بعض حاملي الشهادات حتى غَدت من كثرة تكرارها من المسلمات، تناقش هذا مع جملة من الأطباء والأساتذة والطلبة والأطفال، فبرنامج أقواس تسأل من خلال ضيوفه يُفرز الغث من السمين تاركا المشاهد يُعمل عقله ليصل إلى الحقيقة التي لاينكرها المنطق، يتجلى هذا في إخراج سلس وجو مرح يتوج بالهدايا  نهاية كل لقاء، أقواس صنعت من البساطة سحرا حلالا بإمكانيات ليست كالقنوات الكبيرة  بل بأمور متاحة مازجها العمل، وتصميم ترجمه الإنتاج تميزا، والطرح القريب من الواقع المعاش.

كما أن المشاهد المحلي لن يبرح اليوتوب دون إلقاء نظرة على برنامج يحاكي بعض القنوات التلفزيونية إخراجا وديكورا، وإني كلما تابعت عددا منه يتبادر إلى ذهني برنامج #ومحياي الذي كان يعرض على قناة الرسالة وmbc قبل سنوات، ذلكم هو برنامج #رؤية لمقدمته المجتهدة العصامية زينب المعروفة إعلاميا اشراق عائشة، حيث تحاول بعث باقات من الأفكار النيّرة، تعالج من خلالها بعضا من السلوكات والمفاهيم المعرفية والنفسية والتنمية الذاتية. وإعادة بلورتها بطريقة فلسفية سهلة بعيدة عن التَصَنّع في دقائق يسيرة، تصاحبها موسيقى هادئة منتقاة بدقة وأناة، رؤية عمل يشعل شموع بدل لعن الظلام، ويتخذ من إيقاع أمل معزوفة تستهوي المتابع، لتغوص بعدها في أعماقه لتكشف له عن خلاصة المواهب الربانية المكنونة بين جنبيه، فيتعهدها بالرعاية والسقي لتستوي على سوقها، ويغدو سعيها  في الوجود مشكورا.

هذا ولكي تستزيد من رصيد معلوماتك الثقافية والإسلامية ماعليك سوى زيارة موقع sud_tv# ، لتجد نفسك تتجول في شوارع بلدية #أدرار وأحيائها  بالميكرفون الذهبي للزملين محمد علي وسيد أحمد، يصولان بورقة أسئلتهما المتاحة للجميع، وذو الحظ الجميل يجازى بمصحف وهاتف نقال مُهدى من قِبَل مكتبة السالمي تيليكوم نظير إجابة مُسَدَّدَة، يجري هذا في جو من الفرجة وخفة الظل، ومن لم يوفق يودع بمحياً بَاسِم على شرف تجدد اللقاء،  هذا الإنجاز أضفى على الشارع نكهة خاصة، جعلت منه فضاءً لنشر الفائدة على جل شرائح العَوَام، باختلاف مستوياتهم وأعمارهم، ذكورا كانوا  أوإناثا.

ومن أراد نافذة تطل  على صفوة مما جادت به أنامل بعض الجمعيات المحلية الفتية احتفاءً بشهر الصيام، من مبادرات خيرية على غرار موائد الرحمة لإفطار عابري السبيل، وتقديم مساعدات للفقراء والمكلومين، وكذا نشاطات ترفيهية هادفة وأماسي للإنشاد ومسابقات في تلاوة كتاب الله، سيظهر له برنامج #فيها_خير الذي يُعِدَُه ويقدمه #فوج_محمد_بوراس، وإنتاجا موقع #إنكليم، تسعى عدسات فيها خير إلى تسليط الضوء على ماسبق ذكره في صورة إخراجية بديعة، ومؤثرات لا إكثار فيها، لتنقل جهدا ثمنيا مباركا، وتطوعا صادقا محمودا، يتجلى في أنْضر حلة وأنبل إخراج.

تلكم نماذج حية مازالت تتنفس عبير التطلع والإصرار للوصول قُدُماً للإحتراف المنشود، بكل ما أوتوا من الصبر والتكوين، أعمالهم التي سهروا على تقديمها للمتلقي صباحا ومصباحا، ليطلقوها باقة   من معدن محلي خالص، ليست بالمعصومة من الزلل والنقصان، وهذا مما لم أتطرق له في هذا المقال، وذلك يعود لعدم ضلوعي في ميدان بشتى فروعه التي تُدّرس هنا وهناك، بل حتى أني لم أتخذه تخصصا جامعيا أكاديميا،  وإن كان لابد من نقد بَنّاء متخصص لهاته الأعمال المثمنة، فلم لا نطلق مشروعا إعلاميا يحضره طاقم هاته البرامج الرمضانية، يرافقهم في هذا أساتذة مختصون و سينمائيون ومسرحيون ومن يتقن المونتاج والتصويروالتمثيل والإخراج والإضاءة وكتابة الجنيريك، لنعيدة المشاهدة بعين ناقدة صِرْفَة، تلاحظ وتُقَوّم وتناقش، لنصل في الأخير لتوصيات ترقى بإعلامنا للطليعة التي نريد، وهذا رأي لا غير.

كتبه: محمد مبروكي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.