المسحراتي …أو الدبيدبة في قصور توات

لا زلت أسمع طنين دندنته في أذني إلى اليوم حينما كنا نسكن قصرنا القديم “أغرماقبور “ بتمنطيط ، كان يمر بالمنازل بيتا بيتا ، زقاقا زقاقا ، حيث يعبر ممرات وأزقة تمنطيط كلها لإيقاظ الناس للسحور بحثا عن الأجر في شهر تتضاعف فيه الحسنات.
كنت أتعجب كيف له أن يجول كل هذه الأحياء والقصور ، ثم يصل إلى آخر قصر ويجد الناس الوقت لتناول وجبة السحور ومعها لمة العائلة التي كان يشارك فيها حتى الأطفال الذين لم يبلغو الحلم .
ومن العبارات التي استخدمت في إيقاظ الناس هي الصلاة على النبي محمد وأخرى فيها مناداة الناس للسحور وأحيانا بأسمائهم كأن يقول : “السحور يا عباد الله السحور “ ،“اللهم صل وسلم على سيدنا محمد عليه السلام “ ، ويتخلل ذلك ضرب للدف (أقلال) أو الدبيدبة أو الدندون وهي آلات تستعمل في الفلكلور الشعبي التواتي خاصة المسمى قرقابو أو العبيد .
وليست هذه العادة حادثة فلقد كان بلال بن رباح، وهو أول مؤذّن في الإسلام ومعه ابن أم مكثوم ، يقومان بمهمّة إيقاظ الناس، الأول يؤذّن فيتناول الناس السحور، والثاني يمتنع بعد ذلك فيمتنع الناس عن تناول الطعام. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم “.
ولقد عرفت كل قصور توات هذه العادة الحميدة التي تعبر عن تضامن وتواصل بين الأجيال وتمسكهم بدينهم ومعرفة كل ما يتعلق بالأوقات المتعلقة بالعبادات ، ولقد سألت بعض الأصدقاء عن بعض مسحراتي بلدانهم وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر :
مسحراتي تيلولين الشرفاء “أقبور” : أبا دادة رحمه الله
مسحراتي قصر تاخفيف بزاوية كنتة : فراجي سالم ثم الشيخ عبد الرحيم .
مسحراتي قصر أدمر : مكرودي عبد الهادي .
مسحراتي قصر أوقديم بأدرار : مسعود عيساوي ، المعلم البركة الذي كان يأتي من قصر أدغا في الثمانينات.
مسحراتي قصر بودة: ديفني بوجمعة في بن دراعو و بلفقير في بني اللو .
مسحراتي زاوية الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي : أبا بوزيان رحمه الله قبل أكثر من عشر سنوات من الآن .
مسحراتي ساهل أقبلي : ناجم محمود عوماري رحمه الله.
مسحراتي قصر أغيل : عثماني الساسي رحمه الله وعثماني عبد الفضيل والشاب عبد المالك بن الساسي.
مسحراتي تاورسيت بتيميمون “قورارة” : دا مبروك كوري المعروف بالدا بلوك.
أما مسحراتيي تمنطيط فقد حاولت أن أتبع خطى بعضهم على الأقل إلى عهد القاضي الحاج محمد ومنهم :
نسامو أبا احمد رحمه الله من حي فرقان fergane بقصر بوصلاح وهو جد العائلة المعروفة بتمنطيط و من أبنائه الحاج عبد الرحمان ومبارك ، محمد والعربي ، ثم بعد وفاته خلفه إبنه عبد الرحمان ثم خلفهما الدا بلقاسم الذي كان يسكن قصر أولاد داود وكان يعين الطالب سي التهامي بتكرار القرآن للأولاد الصغار ، ثم جاء بعدهم آخر المسحراتيين التمنطيطيين المعتمدين رسميا وهو السيد باحو الحاج محمد( 77 عاما ) أطال الله عمره في الطاعات، رجل متواضع جدا ، إلتقيته ذاهبا إلى منزله فسألته عن هذه المهنة وأغوارها ، قال لي أنه ورث هذه المهنة من الدا بلقاسم زوج أمه حسنية ، وذكر لي أن المسحراتي لا يكون أي شخص في البلاد – في الإشارة إلى الرمزية الدينية -وإنما تعينه جماعة القصر حيث تمت مناداته للقصر و تعيينه من طرف أعيان وجماعة أولاد علي بن موسى ومنهم :
– الرجل الفاضل القائد الحاج محمد بابا رحمه الله .
– القاضي الحاج الحسن بن العلامة سيد العربي بومدين رحمه الله .
– الفقيه العلم الطالب سيد العربي .
– الفقيه الشيخ سي محمد التهامي محجوبي .
ويذكر لي الحاج محمد باحو أنه بعد انتهاء شهر رمضان مباشرة ، وبعد صلاة الصبح من يوم العيد يطوف المسحراتي بجل بيوت القصر بطبلته المعهودة فيكرمه الناس بالزروع والتمر أجرة له وتكريما له على ما قام به خلال الشهر الفضيل ،ولا بد أن هاته المهنة كانت لها من الأهمية القدر الكبير خاصة أنها مرتبطة بالدين، إذ ان جماعة القصر وبالإضافة إلى هاته الأجرة أضافت له شيئا آخر ، وهو أن يكون له من كل بستان بعض المحصول في شهر إبريل الفلاحي حيث قال لي الحاج محمد أنه كان يحصل على محصول” ردة “ من كل بستان وهي الساقية المؤدية إلى مساحات الزرع المسماة باللهجة المحلية “أبادو”.
وفي أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي لم تعد لهذه المهنة وجود بعد اعتزال الحاج محمد وبقيت مدة طويلة دون أن يكون هناك أحد لخلافته ، ثم تطوع لها أخيرا السيد عبد الفتاح نسامو آخر المسحراتيين في نهاية التسعينات حيث كانت مهنة أجداده ولكن لم يكن معينا من طرف الأعيان وبقي فيها لمدة قصيرة ثم اعتزلها .
وفي قصور توات كانت أجرة المسحراتي محصورة في ثلاث :
– يعطى من زكاة الفطر عينا .
– يطوف بالمنازل يوم العيد ويعطى من كل بيت أجرة أو هدية في غالب الأحيان تكون تمرا .
– يكون له نصيب من محاصيل بساتين القصر وله الحرية في كامل البساتين قدر ما استطاع بقدر معلوم .
ومن الأسباب التي جعلت هاته المهنة انقرضت أو تشارف على الانقراض هو تطور وسائل السمعي البصري من مكبرات صوت، إذ أصبح يستغنى بها عن المسحراتي ،وكذلك سهر الناس إلى مطلع الفجر خاصة مع توفر الكهرباء في كل قصور الولاية ، وآخرها أنها لم تكن مهنة إلا لـــــــ 30 يوما وهي لا تكفي وحدها لسد فقر عائلة في هذا الزمان أو أن تكون مصدر الدخل الوحيد للفرد مما يسهل اندثارها.
ويؤمن البعض أن هذه المهنة لا يمكن أن تنقرض مهما تطورت التكنولوجيا ، لأنها مرتبطة بعادات اجتماعية لها علاقة بالدين ، حيث انتقلت هذا المهنة الى الشباب في بعض القصور كقصر أغيل و تاخفيف بزاوية كنتة حيث لا يريد صاحبها الشيخ عبد الرحيم من الأجر إلا الثواب والجزاء من عند الله .
والسؤال المطروح هنا كيف يمكن الحفاظ على هذه المهنة التراثية الدينية بما تحمله من دلالات اجتماعية ؟

بقلم: عمراوي .ع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.