قُـلوبنا وقلبُ”كُوبُوري”

كتبه: عبد القادر أعبيد

في لقاء (من لقاءات العمر)جمعني بـ“السي عبد الله البلبالي” أيقونة الطبل في تديكلت، قال لي حين سألته عن العالم البروفيسور الياباني ايواو كوبوري(Iwao kobori ): “احنا بعدا نقولو الله يرحمو حتى إيلا كان ما هو مسلم!” .

والجملة تكفي في نظري لتعبِّر عن العرفان والتقدير الذي يكنُّه السي عبد الله وكل سكان منطقة”إين بلبال” و”مطريون” لهذا العالم الكبير ،الذي وهب نصف عمره (1961- 2010) للبحث عن نظام السقي في توات، متخذا من إين بلبال ومطريون نموذجاً، حتى لقِّبياباني إين بلبال(*).

الكاتب أعبيد عبد القادرمع الباحث أيواو كوبوري

كوبوريالذي قادته قراءة كتاب“الصحراء الفرنسية” le Sahara française، إلى اختيار هذا الركن من جغرافيا العالم ليكون موضوعاً لبحوثه الدولية المرموقة ابتداء من سنة 1961، وشاءت الأقدار أن تضع في طريقه الأستاذ البحاثة أحمد الحاج حمادي”حاجي”الذي كان ساعتها إداريا بولاية الواحات، ولتتحول حياة الرجلين تحولا جذريا بعد هذا اللقاء.

لن أتحدث هنا عن مشوار الرجل الطويل مثابرته العالية في مواصلة هذا البحث، ولا عن تطليقه لعالم السياسة بعد تجربة قصيرة كسفير لدولته بـفرنسا وما أدراك، ولا عن حرصه على تقديم تجربته في هذه الصحراء إلى تلامذة الأطوار الابتدائية في بلاده، رغم مكانته العلمية الوطنية والدولية وانشغاله الدائم، ذلك أن من يقرأ سيرة الرجل المبثوثة في عوالم الشبكة الزرقاء سيدرك أن ذلك ديدنه، ولكنني سأورد شذرات من آخر لقاء لنا بالرجل سنة 2010.

بقاعة الاجتماعات بدائرة أولف القديمة، تشرفت جمعية شهاب الأمل – التي كنت رئيسها يوم ذاك – وجمعية الألفة للتراث بإقامة حفل شكر للبروفيسور العالم ايواو كوبوري:

حضر “شاب” في نهاية الثمانينات من العمر يتهادى بثقة،مرفوقا بزوجته التي فاجأتنا بإطلالتها الأصيلة وهي تلبس الكيمونو الياباني ومعهما باحثين يابانيين آخرين

الباحث ايواو كوبوري مع الشباب

عرفنا بعد ذلك أنهما سيخلفانه في بحثه بالمنطقة ورافقهما الباحث الجزائري المرموق الأستاذ بن خليفة والباحث القدير عمي الحاج حمادي” حاجي”، تحلقنا حول الرجل وأصغينا لحكمته ولعلمه ولفرنسيته بلكنة يابانية، ولمسنا صدقه وتواضعه وإخلاصه للعلم والبحث ووفاءه للناس.

كان الرجل يوم ذلك اللقاء قد قضى أغلب سنواته الخمس التي بشَّره الأطباء بأنها ستكون الأخيرة من عمره بسبب مرض في القلب، ولكنه رغم ذلك لم يظهر عليه أي تأفف ولا اشترط علينا أي اشتراط خلال ساعتين من الزمن جمعتنا به في ذلك اللقاء بقاعة متواضعة، كما وأجاب علىكل أسئلتنا حتى تلك الساذجة منها وتقبل هدايانا البسيطة بصدر رحب، وزاد  دهشتي  حين أخرج دفتراً  صغيراً وطلب من الحضور أن يكتبوا  له أسماءهم وعناوينهم الالكترونية وهواتفهم.

ومما قاله الرجل “انه يعتبر الفقارةالأعجوبة الثامنة من أعاجيب العالم”، واختتم اللقاء وتفرق الجمع ورحل الرجل عن هذه عن أولف وعن المعمورة، لأتذكره اليوم وبمناسبة شهر التراث العالمي الذي تحييه المؤسسات الرسمية الجزائرية المناطة بذلك(وحدها)، متسائلا – ببراءة – أنَّى لنا بقلوب كقلب كوبوري، قلبٌ (مريض) ولكنه نابض بحب التراث ومستعد للتضحية في سبيله بالصحة والراحة والوقت والمادة…، منافحاً عنه في مختلف المحافل الدولية مثبتاً لنا أن الحب يمكن أن يتحدى المسافة والغربة، ومغريات المناصب …. وغيرها، ولأتساءل أخيراً هل يبلغ الأفهام بعد ذلك معنى ترحم “البلبالي” على “كوبوري”.

صورة للباحث كوبوري وزوجته رفقة الطلبة
الباحث كوبوري رفقة زوجته وباحث ياباني آخر
تكريم الباحث كوبوري

 

 

 

——————–

*- ياباني عين بلبال عنوان شريط وثائقي شاركت به الجزائر في السنة الدولية للعلم، التي نظمتها دولة اليابان عام  (1996) وكان عرض الجزائر لفعاليات أسبوعها في هذه السنة موافقا ليوم العلم 16 ابريل.

الصور: من أرشيف جمعية شهاب الأمل  أولف – تصوير السيد جمغات محمد

http://www.japan-algeria-center.jp/news/fr/news20020120b_fr.html

http://www.unesco.org/water/news/newsletter/243.shtml

https://www.youtube.com/watch?v=XG4nXzgqwaw

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.