لحظة من فضلك…!

لاشيء يأتي من الفراغ ، ولا دخان بلا نار ، هكذا سمعت و هكذا عَلِمت ، فالدارس لأحوال الورى ودنيا الشعوب، سيقف عند محطات ومنعطفات ذكية، فلكل أمة رمزها الأزلي وسلطانها المبجل، ولكل شعب بطل قومي يلهمه ويبعث فيه شحنات الإصرار والتصميم، ولكل فرد قدوته ومثاله البراق المفدّى.

وإننا حينما نقلب تاريخ الأنسانية نجد كوكبة ممتدة من الملهمين وصناع الحدث الذين تَفخر بهم أرضهم التي نبتوا عليها، ومن بين هؤلاء المُثُل، الكاتبة الصماء البكماء (هيلين كيلر) والإعلامية الشهيرة (أوبر وينفري) والعبقري( غاندي) صاحب الخبرة والسماحة والثورة السلمية المبنية على شعار ” لا للعنف لا للحرب” وأم الأرامل والأيتام (تريزا) والرسام الفرنسي (بكاتسو )الذي اشتهرت لوحاته بعدما ما توفي كَمَداً واكتئابا لعزوف الفنانين عن رسوماته وفنه، الموسيقار الأصم (بيتهوفن) ملحن السيمفونية التاسعة التي أدهشت أرباب الموسيقى و أفذاذها في المعمورة، والعم (نلسون ماندليلا) أعجوبة الصمود والبطل الرمز في إفريقيا والعالم وأول رئيس أسود لجنوب إفريقيا بعدما أن تعرض للعنصرية و السجن لمدة 25 سنة ندد فيها بالحرية والعدل والمساواة،  وأسطورة الملاكمة محمد علي كلاي والأستاذ(إبراهيم الفقي)_رحمها الله_ ، وغيرهم من عظماء هذا العصر ورواد المعجزات،  فقد كان لسيرهم أثر بارز في مسار حياة الكثير من البشر ، فأنت حينما تقرأ حياة هؤلاء ستندهش طويلا  وتتوقف عدة لحظات متأملا في أناس كسروا معادلة المستحيل واللاممكن من الوجود، فكل شيء ممكن عندهم  وكل شيء قابل للتحقق وكل شيء يستطاع  مهما طال الزمن أو قصر، فالخالق وهب لعباده قوة مطلقة تتسع باتساع هاته البسيطة المترامية الأطراف، فلا بداية ولا نهاية ،فالجنس البشري  هو الوحيد الذي سُخرت له كل نواميس الكون ومجرات الفضاء، التي نعد في حقلها كالذرة التي لا تراها العين المجردة ، فالانسان مملوء بالطاقات و المواهب والعطايا والمِنَح ، ولكل منا شيء يميزه عن الآخر،  لكل منا قُدرة مبدعة تقطن في تلك الخلايا المحكمة الصنع، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، كم من الإنس في المعمورة أطلقوا الجوهر المكنون في داخلهم..؟ ، وكم من الخلق عاشوا طويلا و ماتوا ولم  يدركوا هاته الحقيقة العصماء الربانية…؟ ، وكم … وكم …؟

إن الحياة حينما تقسم الجوائز على أهلها تكون عادلة في أغلب الحالات، حتى إن لم نلاحظها بأبصارنا المحدودة، ربما قد تسعى طويلا لهدف ما، و تبذل فيها كل الأمل و الجهد المتاح، ومع ذلك يأتيك الصدى صارخا يحمل معه الألم والفراغ الموحش، وتضيق عليك نفسك بما رحبت، و قد تبكي طويلا في الظل، أو تُخفيه تحت ابتسامة مصطنعة تحمل داخلها فيضا من الإحباط، لكن تجدني في هذا مقام أسلِّي خاطرك المفجوع بما قاله الكاتب الأمريكي “روبن شارما” في كتابه الذائع( دليل العظمة) إذ يقول: “إن الحياة عادلة في الأخير…ثق بهذا..” ، ولكن من منا يمكنه أن يصبر و يقطع نَفَسَه إلى تلك المحطة الأخيرة، مؤمنا بالخاتمة المضيئة، وفي كتاب الله نجد هذه الآية التي لو قرأها ذلك الكاتب الأمريكي لكفته هو ومن معه من بني جنسه، إذ يقول جلّ في علاه ( إنَّ الله لايضيع أَجْرَ مَنْ أحسن عملا) فلكل مجتهد نصيب، قاعدة أزلية عاش لأجلها الكثير ومات لأجلها الكثير، والكيِّس الأريب هو من اتعظ بغيره.

إن التاريخ عندما يحتفل بنوابغ الوجود، سوف يدعوا له مجموعة من الأشخاص الذين لا يقلون أهمية عن المحُتفى بهم،  فارجوا أن تكون أنت أوأنا منهم ، لا لشيء إلا لأني قرأت سطراً  للراحل محمود درويش، كتبه في لحظة أمل منه، “ولا نتوب على أحلامنا… مهما تكرر انكسارها” .

بقلم :مبروكي محمد

2 تعليقات
  1. ¨JAMAL يقول

    جميل جدا أخي الكريم

    1. أقواس يقول

      شكرا لمروركم الكريم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.