منظومة التعليم…مفترق طرق

      بالعلم ترقى الأمم، وبالأخلاق تسود، ومستقبَل الشُّعوب والحضارات مرهون بالشباب، فهم مُضغة المجتمع، إذا كانوا أهل صلاح صَلُح المجتمع كله، وإذا فسدوا فسُد المجتمع كلّه، فهم الأساس والأمل المنشود، والحاضر الواعد، إذا ما وجدوا التّعليم المحكم الذكيّ، والتربية السويّة، والفضاء الواسع والمَنبت الخصب الرّطيب.

     إنّ ماتشهده منظومتنا التّعليمية -شافاها الله- من تردٍّ واِنحطاط، يُنبّىء بمستقبلٍ مخيفٍ للأجيال الصّاعدة، لاسيَّما بهذا البرنامج الجديد والمرتجَل العقيم، الذي يغيّر ألوانه كلّ موسمٍ كالحرباء، وكأنّي بأولئك القائمين على هذا القطاع لا صلة لهم بالتّربية ولا بالتّعليم “مع مراتبهم وشهاداتهم التي تحملهم” والأغرب من ذلك أنّهم – على حدّ قول أحدهم- من صفوة أهل الاختصاص في ميدان وضع البرامج التّعليمية والمقرّرات الدّراسية، ولكنّ الواقع المرّ، يظهر شيئاً آخر، سيَّما أنّ هذه المقررات موجهة لتلاميذ هم في مرحلة مهمة من حياتهم العلمية، ففي هذا العمر تُبنى شخصية الإنسان وتُصقل مواهبه وتُنمَّى معارفه، فيكون مُستَقْبِلاً لكلّ شيءِ سواء كان نافعاً أو ضاراً صحيحاً أو خطأً، فمن الحكمة أن تورد له مواضيع ذات أبعاد أخلاقية ومعرفية منتقاة بإحكام لا تقبل التغيير والتبديل، متّصلة بتاريخه ومبادئه ذات البعد الدّيني والقومي، حتّى يشتدّ عودُه، ويستقيمَ على سوقه، فيكون لَبنة فعالة في وطنه، وليس العكس.

    إنّ من يطالع كتب هذا الجيل الضحيّة، سوف يمسك قلبَه غيظاً، من مواضيعَ ظاهرُها في الرّحمة، وباطنُها عذابٌ وتخلّف، كتبٌ تحمل أوراقاً كثيرة تعتمد الحشوَ المملّ والتزويق المخلّ، لايفيد منها الطفل المسكين إلا النّزر القليل، أخطاءٌ فادحة بالجُملة، ولعلّها متعمّدة. وممّا يؤرّق أهل العقول ويثير الحفيظة كثرتها وتعددها في الكتب وتكرارها كلّ عام، وبعد اكتشافها يٌحمّلون الطابعة المسكينة الخطأ،  ويصرحون بهذا بملء أفواههم أمام الملأ والقنوات، فيا لِسفاهة هؤلاء القوم. أضف إلى هذا تواصل مسلسل المشاكل والإخفاءات المتعددة الذي لم ينتهِ منذ عقودٍ من الزّمن، ففي كلّ دخولٍ دراسيّ جديد، تشهد منظومتنا التربوية جملة من التذبذبات والقرارات الغريبة، وكأنّها دُبّرت بليلٍ، وآخرها حذف البسملة وما أثارته من جدلٍ واسعٍ في مواقع التّواصل الاجتماعي، وقنوات الإعلام، بين مؤيدٍ ومعارض. والعجيب هنا، هل حذف البسملة سيرقى بتعليمنا الموبوء ويخلصه من أدرانه؟؟! أم أنّه عبارة عن ذرّ الرّمال في العيون، وضربُ آخر مسمار في نعش التّعليم الذي هو حلقة من سلسلة  الفشل والتقهقر الذي تشهده جزائر المعجزات في كل ميادينها، لأنه أمرٌ أكبر من حذف البسملة أو إبقائها.

     ولكن يبقى السؤال مطروحاً: هل القطر الجزائر بما يحويه من الخَلْق لايوجد فيه رجلٌ محنّك كُفء يمنكه تولّي قيادة دفّة هذه المنظومة التعليمية؟ وهل عقمت نساء الجزائر أن يلدن أمثال مالك ابن نبيّ في فكره الوقاد ورؤيته الحضارية المجدّدة،    أو الشيخ البشير الإبراهيمي في نظرته الإصلاحية ؟ أعتقد أنّ الإجابة تعرفونها، الجزائر ثريّة بأهل العبقريّة والرّيادة، واسأل بذلك العالم الذي يَعُجّ بالعقول الجزائرية المضيئة، التي تصنع الحدث والتّاريخ في العديد من دول المعمورة والجِوار وفي مختلف المجالات والأصعدة، وحتى هنا  في الدّاخل يوجد العديد ممن تتوفّر فيهم المقوّمات ومهارات الكَياسَة،الذين بمقدورهم وضع الخطط الحصيفة والتي تؤهلهم لتولّي طليعة هذا النظام الأعرج، وأخذه باحترافية إلى بَرّ الأمان، هذا إن مُنِحَ الحريّة والمساعدة والدّعم والأرضيّة الخَصبة دون ضغوط أو أوامر قمعية مرغمة يمليها عليه بعض الأوباش.

    وإلى أن يصل موعد الفتح المنتظَر، تبقى وزيرة التّربية وحاشيتها المخلصون من ذوي الكعب العالي، والذي أخشى أن ينكسر بهم يوماً، يستمرّون في تكريس الدّناءة وهتك حُرمة التّعليم في الجزائر، وضربه في المقتل بتلك الكتب التي تحمل السموم والعفَن والتّحريف و التّصحيف.

بقلم: مبروكي محمد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.