ليست الرواية مجرد أحداث تحكى لتزجية الوقت، بل محاولة لفهم النفس البشرية والعوالم التي تتصل بها، من أشخاص ونظُم عيش وجغرافيا وإعادة تشكيل هذا عبر اللغة
من هذا المنطلق جاءت رواية العودة إلى تورفين لتفتح للقارئ نافذة على عالم سردي صحراوي تيدكلتيٍّ تتقاطع فيه تراجيديا الحب مع الأسئلة الاجتماعية والوجودية للمرأة الصحراوية بين العادة والسعادة والريادة
تنبثق هذه الرواية من بيئة صحراوية تيدكلتية تواتية، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود المكان لتلامس قضايا أوسع تتعلق بالنظام الاجتماعي أيام الثورة الزراعية وعدم رضى المرأة ذات الخلفية الثقافية المغايرة عن الإطار المحدد للمرأة. ويبدو أن الكاتبة لم تكتف بسرد الأحداث، بل سعت إلى بناء نص يوظف الحب لفتح القلوب وعرضها أمام قرّائها حتى تتوضح رؤيتها الفكرية، يتجلى من خلال تشكيل الشخصيات وبناء الفضاء الروائي وطبيعة اللغة التي يرتكز عليها السرد
وانطلاقا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى مقاربة هذه الرواية قراءةً تحليلية نقدية من خلال الوقوف عند أهم عناصرها الفنية والدلالية، ومحاولة الكشف عن الرؤية التي يقترحها النص تجاه الواقع الذي يصوره عن مجتمع توات.
فهل استطاعت الكاتبة أن تحول الواقع التيدكلتي إلى مادة فنية قادرة على مخاطبة ذائقة القارئ العربي الأوسع؟
العودة إلى تورفين هي رواية للشاعرة والكاتبة الأدرارية الجزائرية عائشة مباركة بويبة. صدرت عام ألفين وأربعة وعشرين عن دار خيال للنشر والترجمة. دارت أحداث الرواية في الربع الأخير من القرن العشرين انطلاقاً من العاصمة المالية باماكو لتنتقل الأحداث الرئيسية إلى تيدكلت أحد أقاليم توات جنوب الجزائر. وفي أحد الفصول أخذت العاصمة الفرنسية باريس حيزاً من مسرح الأحداث.
تزامنت الوقائع مع انطلاق الثورة الزراعية وانعكاساتها على مآلات ملكيات الأراضي الفلاحية في تيدكلت وتوات عموماً. وفي مجتمع محافظ يعطي للمرأة دوراً. لكن رغم أهميته، تراه بعضهن نمطياً حيث لا انفتاح ولا كسراً للقواعد. فجاءت بطلة الرواية وليدة باماكو بذهنية مغايرة بذَرَتها فيها بيئتها الأولى، وعلى هذا تراكبت باقي أحداث الرواية وتأسست.
فيسا وقادي هما بطلا هذه الرواية، بدأ كل شيء حين جاءت فيسا إلى أولف مع أبيها التاجر الكبير محمد السالم، لتشهد ساقية تورفين ميلاد حب كبير اتّقد في قلبين ما لبثا أن توّجاه برباط الزواج. لم تدم سعادتهما طويلا إذ كان الخلاف كامنا لهما في الزاوية، هو أرادها ربة بيتٍ وهي طمحت لأن تكون سيدة أعمال ناجحة مع كل ما يرافق الكلمة من تخلٍّ عن عديد الالتزامات الزوجية، فاستحالت العِشرة بهذا فافترقا.
مضت فيسا في سبيل حلمها في الرفاهية والجاه وتزوجت من الرجل الذي أغدق عليها الحب والمال والمكانة. كان هذا بادئ الأمر، لكن سعادة السفير موسى ضيوف لم يعد يبالي إلا بابنه من فيسا. صار الزواج باهتاً، فكلٌ منشغل بالمال والأرباح. حصلت فيسا على نفوذ وسلطة زوجها لكنها أخفقت في الحب مجدداً. ذلك الفراغ… تلك الهوّة سرعان ما سدّها الشوق إلى الحب الأول.
هذا ما عجّل بقرار العودة إلى أولف ، إلى محيط رجل فارقته من سنين لكنها حملت حبه في قلبها إلى أوربا. فقد كان قلبها ينبض بحب قادي حتى في أكثر لحظاتها سعادة مع زوجها الثاني.
العودة إلى تورفين لم تكن عودة إلى مكانٍ وفقط، بل عودةً إلى انتماء وإلى حينٍ من الدهر. بل إلى الذات القديمة، الذات التي انسلخت عنها وانطلقت بحثاً عن الغنى والنفوذ والسلطة. لقد كانت أشياء جافة وحين حصلت عليها فيسا، أحسّت بحاجتها إلى من يجعل قلبها يزهر بحبه. لكن قادي هاته المرة عمل بنفس مبدإ فيسا ، أي الحب وحده لا يكفي فتزوج من فثو وكأنه ينتقم، انهارت فيسا حسرةً وندماً لكن من أين لها بالعزاء وهي الضحية والجلاد. لتدرك متأخرة سر السعادة الزوجية في درس موجز أخذته عند أختها التي زارتها في باماكو.
البناء السردي للرواية كان ببداية هادئة فاترة. ثم وسط جيد. لتنحدر الرواية بالقارئ إلى نهاية مأساوية غارقة في السوداوية، كأن الكاتبة أخرجت قلب بطلتها وشرّحته وقدّمته أمامنا في صورة فصلٍ ختامي قاتم. الحوارات في العودة إلى تورفين، حاضرة حضوراً يكسر رتابة السرد ويعرّف القارئ عن طبيعة الشخصيات، يفضح سرائرها وهشاشة النفس البشرية أمام سلطان الحب . أما المونولوغ عظيم الحضور، فقد أبدع في شرح الدواخل ومنح القارئ لحظة تأمل في الشخصيات وعُقدها.
السرد هنا عموما، كان وفياً لصحرائه. وفياً للساقية، للرمل، للسَّفوف، للطبوع واللهجة وطقوس الأعراس والماينمة
هذا بالنسبة للسرد، فكيف كانت اللغة التي استعملت فيه؟
اللغة جاءت فصيحة سليمة، بسيطة غير متكلفة. لكن يسجل عنها غياب المحسنات والشح في الصور البيانية التي تضفي جمالاً على النص، ويخدم وجودها ذوق القارئ وفكره.
أبدعت الكاتبة في ادراج تراكيب وألفاظ تواتية وتيدكلتية فأثْرت بها السرد، وقدمت لقارئها معارف وتلميحات عن لسان الساكنين هنالك. لكن تسلُّل بضع كلمات على غرار » حطّها » و « الطوليات » قد يمُجّ الذوق ويضره. اضافة إلى عدم عزل الألفاظ العامية عن الفصحى رغم ضرورتها الخادمة للسرد.
شخصيات العودة إلى تورفين هي شخصيات حقيقية مفعمة بالإنسانية. لها أصوات واضحة ولهجة تنم عن عمق الانتماء لبيئتها الأدرارية.
والكاتبة جعلت شخصياتها متطورة مع مسار الأحداث بمواقفها ومزاجاتها وأحاسيسها. قادي مثلا أحَبَّ بدايةً ثم كسره الفراق، عاش سنين أسير ذكرى طليقته فيسا. ليقرر بعد لأيٍ أن يواجه الحياة مجددا. فحسّن وضعه المادي ثم انتصرت إرادته على قلبه وتزوج سكرتيرته فثو برغم رجاءات فيسا للعودة إليه.
وهكذا فالقارئ يحب أن يرى في الشخصيات شرخاً ويلحظ ترددها أو يحس تناقضاتها الداخلية
ثم إذا ما تسائلنا عن راوي الاحداث في العودة الى تورفين، فسنجد الكاتبة قد أشركت أكثر من صوت حكائي داخل النص من راوٍ عليم إلى راوٍ مشارك، بدل الاكتفاء براوٍ واحد يهيمن على السرد. وهذا يدل على وعي الكاتبة بالواقع المركب لقصتها غير القابل للاختزال في رؤية واحدة.
لكن في بضع مواقع من الرواية، لم تكن الأصوات مميزة ، و كان الانتقال بين الرواة غير سلس .هذا يربك القارئ ، يضطره للتوقف ويدفعه للتساؤل: من يتكلم الآن؟
وقد حدث هذا داخل الفصل الواحد وأحيانا في ذات المشهد ( ص 108 مثلا ) أما في الصفحة ( ص112) فيُلاحَظ أن الكاتبة اختلط عليها صوت السارد. ففي فقرة واحدة تحدثت فيسا كراوٍ مشارك ليتحول السرد فجأة إلى الراوي العليم.
ثم نسأل عن فكرة الرواية، هل هي جديدة أم مستهلكة؟ واضحة أم غامضة؟ وهل نجحت الكاتبة في تناولها وايصالها من خلال الأحداث والشخصيات؟
إن تناول الحب وتراجيديا الألم والفراق تبدو فكرة مستهلكة وقديمة. لكن المتفحص للرواية يجد أن موضوع الحب لم يكن سوى غطاء لموضوعين كانا متضمَّنَين في الداخل. أوّلهما وإن لم يطُل الحديث عنه، وهو ما خلّفه قرار الأرض لمن يخدمها وتأثيره على العلاقات بين العائلات المالكة ونظيرتها العاملة ( الخمّاسين ). يتجلى هذا حين انتُزعت أرض محمد سالم منه لصالح عائلة قادي وكيف توترت العلاقة واغتاظ محمد سالم لدرجة أنه زوّج ابنته لقـــادي زواجاً مخالفاً للأعراف. لكن وليَكُن، فالمهمة كانت استرجاع الأملاك. أما الموضوع الثاني فلا نكتشفه إلا إذا حلّلنا فكر فيسا وسلوكياتها. فهي المرأة المتحررة، المُنطلقة التي لا ترى الزواج بصورته النمطية المحلية، بل تراه شراكة واهتماماً، ليس اهتماماً معنويا فحسب، بل ماليا كذلك. فهي لا ترى الحب كافيا لوحده. وعلى الرجل أن يتقبل سعي زوجته من أجل المال ويتنازل عن حقوق زوجية كثيرة قد يراها أمثال قادي مساسا بالكرامة والرجولة. فيسا ذات فكر مختلف عن الباقيات وحين كان قادي عائقاً أمامها، لم تتوانَ في انهاء زواجهما. امرأة كمثلها لا تحتاج من الرجل سوى قوته وماله وسلطته، حتى وإن كانت مجرد رقم من بين نسائه، فالزواج عندها راعٍ للمصلحة.
لقد كانت فكرة ذات عمق نفساني واجتماعي نوقِشَت تحت غطاء الحب والتراجيديا، إن الكاتبة لم تُبِن عن موقفها منها، بل عرّتها في الأخير وأعدمتها على مذبح المنطق والطبيعة.
وخلاصة القول، يكشف النص عن بناء سردي محكم تتكامل فيه عناصر الحكي من شخصيات وزمان ورؤية ولغة. حيث أسهم تعدد الرواة في الإحاطة بمفاصل الأحداث في الرواية. وبهذا كانت الكاتبة قد نجحت إلى حد بعيد في تقديم رؤية فنية تعكس هشاشة النفس البشرية في مقابل ثنائية الحب والفراق. »
كاتب المقال: عبد الخالق أبختي
المقال الفائز بالمرتبة الثانية في « مسابقة رؤى للمقال الأدبي » التي نظمها نادي الإبداع الأدبي لدار الثقافة أدرار في مارس 2026، وأطرها الناقدان الأكاديميان:
أ. د. اليامين بن تومي: ناقد وروائي جزائري، أستاذ تحليل الخطاب والنظرية النقدية والسرديات بجامعة سطيف -الجزائر.
أ. د. فيصل حصيد: باحث وأكاديمي جزائري، أستاذ التعليم العالي بجامعة باتنة – الجزائر، متخصص في النقد الأدبي والتأويليات