حديث في الشاهد الصامت معرفيا

حديث في الشاهد الصامت معرفيا

👤 أقواس 🗓 11/07/2026


حينما يقول صلاح عبدالصبور في حديثه عن الكلمة و الموت بأن الأهرام والكلام أولدا في زمن واحد، وأن الأيام قد تسقط الأهرام حجرا فحجرا ولكنها لا تسطيع أن تسقط من كلام الموتى كلمة واحدة . مثل هذا الكلام شكل من أشكال مقاومة المحو وتعبير آخر لمفهوم الأثر كعمر ثاني لكل راحل.
وحينما يكون الحبر طرقا وآدات من الأدوات الفتوحات الثقافية والمعرفية والروحيه . نستشعر حجم المسؤولية والحمل معا .
صحيح أن التجارة عرفت مقايضة الزروع مقابل الملح والتمور مقابل اللحوم، هذه المعاملة لم تكن سلوكا تجاريا ربحيا خالصا وفقط، ولكنها أيضا حملت معها إلى إنسان وديار غرب إفريقيا الإمام و المعلم القرآني والمخطوط، لأن جغرافية الجزائر وموقعها الاستراتيجي جعل منها جسر تواصل وتكامل بين شمال إفريقيا وغربها، فأنتجت أنتربولوجيا ثقافية روحية من خلال الحل والترحال ورحلات الحجيج أيضا.

وفي هذا السياق، كان للحبر الذي دَوَّن المعتقد و السيرة والتاريخ والانسان و الممتلكات والحساب و الفلك والطب وغيرها، كان له حضور وآداء يتميز بخاصية الشاهد الصامت معرفيا على أن الجزائر و الصحراء على وجه الخصوص على قساوتها ومخاطرها كانت رسالية وتدرك أن الآخر الجوار له حق عليها ولهاحق عليه . لأنه كما يقول الإمام علي هو (إما أخ لما في الدين أو نظير لك في الخلق ) لأن مواطن هذه المناطق كان حواريا تواصليا بكل عفوية وسماحه لأنه جلب من غرب إفريقيا الكثير من أطباق الطبخ وفنون الفرجه و اللباس ويعيش بيننا من مفردات تتباين ماهو فني وطبخي ولباس كدليل على ذلك . فنحن نحب المايناما أكلة و القرقابو فرجة و الطانفا والبازان قماشا ولباسا .ولأن الشاهد الصامت معرفيا مَثّل ويمثل تلك المسارات المقدسه فقد لعب دورا جيوسياسي وسوسيوثقافي من خلال طرق الحبر مؤسس لمعنى وقيم التكامل والتواصل المعرفية والاجتماعية .

جهود لحماية المخطوط

ولأن صون التراث الثقافي وتثمينه هو ترجمة لسياسة الدولة الثقافيه وحماية للذاكره الوطنية والمحافظة على مقومات الهويه الوطنية والحضاريه للأمة الجزائرية . فقد عرفت الجزائر الكثير من الفعاليات من طرف الهيئات و المؤسسات والمخابر التي تشتغل على المخطوط ولعلى الملتقى الدولي الأخير الذي انعقد بمركز المؤتمرات عبد اللطيف رحالي الموسوم بطرق الحبر في الجزائر . حضارة وتراث يومي 15 و16 ماي 2026 من طرف وزارة الثقافة و المؤسسات القائمة على المخطوط المكتبه الوطنية، المركز الوطني للمخطوط ومشاركة المدرسة العليا الذكاء الاصطناعي، والمركز الوطني للبحث في الجيوفيزياء والشركاء الفاعلين في التراث وحماية المخطوط من الجمعيات.

محاور مهمة

كانت فرصة للسفر عبر طرق الحبر في واقع المخطوط إيجابا وسلبا ووسائل النهوض به وصيانته بالوسائل المتاحه في ضوء الثورة الرقمية لإعادة الإعتبار وإحياء المسالك التي رسمت الجزائر بالعرق والدم والحبر وشكلت جغرافية روحية ومعرفية بمقاربات تتناول المخطوط في المعماري والمتن . أو كما تطلق عليها اختصاصات علم المخطوط مقاربات تتناول الجانب الفلولوجي والجانب الكوديكولوجي في المحاور التالية:

  • آليات حفظ المخطوط من التجربة التقليدية إلى الحديثة
  • والإبداع الفني في تدوين ونسخ المخطوط
  • الحفظ الوقائي وترميم المخطوط
  • رقمنة المخطوطات وتقنيات الاتاحه والبحث والتداول
  • جرد المخطوطات الجزائريه بالخزائن الخاصه والمكتبات العامه وطنيا وعالميا
  • تطبيق الذكاء الاصطناعي على المخطوطات
  • والمخطوطات وذاكرة الأمه

هذه المحاور التي اشتغل عليها الباحثون والقائمون على إدارة المخطوط والشركاء على مدار يومين كاملين خاصة وأن الرقم الذي قدمه رئيس اللجنه العلمية للملتقى السيد البروفيسور منير باهدي والمدير العام للمكتبة الوطنية لمجموع المخطوطات الجزائرية ما يفوق 46 ألف مخطوط جزائري هاذا الرقم على أهميته يتطلب من الهيئات تكفلا حسب حاجة كل مخطوط بعد تشخيص مشاكله من الصيانة إلى الرقمنة فيما يتعلق بالمتن والشكل خصوصا و فيما يتعلق بمستجدات سوق علم المخطوطات المتعلق بعلم العلامات المائيه والزخارف النباتية وزخارف ماء الذهب .والألوان والتجليد والتسفير .

المخطوط سفير و وسيط ثقافي

كل هذه المجالات التي تفتح أسئلة مستجده تتعلق بجغرافية نشأة وحركة الأحبار والورق وأشكال هندسة الحروف والخط لمعرفة مجاهيل ماوراء القلم من خلفيات ثقافية واجتماعيه وصناعية أو حرفية تتعلق بالتسفير والتجليد وعلاقتهما برعوية المجتمع أو استراد طابع التجليد والتسفيرلديه مما يحول كل إجابة الى سؤال و نص آخر يتعلق بموضوع جديد للمخطوط فوراء كل صحيفة وكل حبر وكل شكل من الخطوط ووراء كل قلم سردية أخرى تحيلنا إليها نتائج تعيدنا للبداية في كل مخطوط .
مما يحول المخطوط إلى سفير ووسيط ثقافي يلعب دورا حواريا تواصليا بين تنوع مغاير أنتربولوجي وثقافي ويبني أنساق ثقافية وروحية بمحتوى مخطوط عالج تحديات فقهيه في ديار وأقطار مختلفة كما هو الحال في مخطوطات النوازل وكما هو الحال في نقل أوراد وأذكار الطرق الصوفية العابره للحدود في دور وعمل يجسد الديبلوماسية الثقافية في أبهى صورها.

لأن المخطوط أول أدوات القوى الناعمة لأنه عبر بالحبر مسالك متنوعة متأثر ومؤثرا معرفيا وروحيا في علاقة مع الجوار في غرب إفريقيا بما حمله من علوم وفقه ولغة ومعارف في مضامين المخطوطات التي بشرت بثقافتنا ونشربها داخل وخارج ربوعنا مما يستلزم منا وفاء وتقديرا لجهود الاجداد بما سطروه من مخطوطات في ظروف تقل فيها وسائل ومواد النسخ والتأليف من ورق واحبار ومع ذالك انجزو هاذه الترسانه الهائله من المخطوطات .

مهمة جيل اليوم

تركو لنا كأجيال مسؤولية الصون والحماية للمخطوطات التي أرادوها صدقة جارية وهي اليوم تصنف من الممتلكات الوطنية التي تدخل في قانون 2005 والقانون 04/98 المتعلق بالمخطوط وغيرها من القوانين التي تتعلق بحماية الذاكره هذه الصيانة التي هي مسؤولية أصحاب الخزائن وهيئات تسيير المخطوطات لأن المخطوط كان ولا زال ضمن الاستهداف الاستعماري لأنه وسيلة من وسائل فهم واختراق الشعوب المستعمره . كشكل من أشكال القوه الناعمه للهيمنه والسيطره لمعرفة مواطن القوة و الضعف في أي مجتمع .

هذا ما يجعلنا نفهم الحملة الاستعمارية التي أسقطت الجزائر والتي كان من ضمنها موفدا خصيصا من طرف وزير التعليم العام الفرنسي لتتبع وتقفي أثر المخطوط وجرده هاذا الموفد المعروف البارون دي سلان De slane الذي لعب دورا محوريا في تاريخ المخطوطات الجزائرية حيث استغل منصبه لجمع وفهرسة الآلف من المخطوطات النادره المنهوبه ورفع تقريره الشهير عام 1846 الذي يلخص فيه أهم نفائس المخطوطات التي عثر عليها ذلك ما يجعل من مسألة المخطوط مسألة هوياتية مرتبطة بمسألة حماية الذاكرة الوطنية نأمل كلنا بأن تكلل الجميع بالنجاح حتى لا تسقط من أي مخطوط كلمة من سردية ماتتضمنه أو في المحتوى لأن كل مخطوط يعزز شواهد وأدلة شهودنا الحضاري في الفلك والطب والعقائد والتصوف التراب الوطني وكل مخطوط حينما نتصفحه برفوف خزانة نزورها وقلبنا أي صحف من صحائفها إلا ونشم رائحة الأولين بين جنباتها .

( المجد للحبر وطرقه الذي جعلنا أمة نقرأ ونفكر ) كما جاء على لسان وزيرة الثقافة مليكه بن دوده في ختام كلمتها في الملتقى الدولي للمخطوط بالعاصمة.

بقلم رجل الينابيع

Les commentaires sont fermés.